فهرس الكتاب

الصفحة 800 من 2255

وقد أشار الإمام ابن تيمية في ملاحظة مبدعة إلى دور استكشاف الكليات والأصول في الاستيعاب والاطمئنان العلمي كما يقول رحمه الله: (فإن معرفة أصول الأشياء ومبادئها.., من أعظم العلوم نفعًا, إذ المرء ما لم يحط علمًا بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة) .

والواقع أن المراقبين والنقاد طرحوا تفسيرات كثيرة لظاهرة الانقلاب المعياري هذه التي أشرنا إليها, ومحاولات متعددة لاستكشاف النواة الجوهرية التي انبثقت عنها تطبيقات ومواقف وإحداثيات هذا الخطاب المدني المتطرف, فبعض النقاد يرى أن السبب هو"الانبهار بالغرب", والواقع ان الانبهار بالغرب أحد النتائج وليس العامل الحاسم كما سيأتي توضيح ذلك.

وبعض النقاد اعتقد أن الجذر الدفين في هذه الظاهرة هو"العقلانية"، والواقع أن هذه الظاهرة ليس لديها نظرية فعلية في"مصادر المعرفة"بحيث تقدم ما دل عليه العقل وترد ما عارضه, بل هي تارة مع العقل وتارة مع النص وتارة مع الذوق الشخصي وتارة مع المألوف وتارة ضد هذه كلها, فهي تدور مع المنتج الحضاري الجديد بغض النظر عن علاقته بمصادر المعرفة, وأعتقد أن تكوين"منظومة عقلانية متماسكة"أكبر بكثير من قدرات هذه الظاهرة وكتابها أساسًا.

وبعض النقاد اعتقد أن هذه الظاهرة هي امتداد تاريخي لمدرسة"المعتزلة"، والواقع أن هذا التفسير قد أبعد النجعة كثيرًا, فمدرسة المعتزلة هي مدرسة دينية متزمتة أخرجت الفساق من الإسلام, وشرعت للمنابذة المسلحة لأئمة الجور, وناضلت الفلسفة الإغريقية بنفس أدواتها, ووصفهم كثيرًا من المحققين في علم الفرق بأنهم أصحاب إرادات أي أصحاب نسك وعبادة, وكان لديهم نتاج عقلاني منظم. وإنما سبب زيغهم غلوهم في التنقير بالعقول في الغيبيات وتقديمها على مضامين المرويات, حتى نتجت عن ذلك أصولهم الخمسة المعروفة, لا لأنهم أعرضوا عن الشرائع وانبهروا بأمة من أمم الكفر. فالمعتزلة مدرسة غلو لامدرسة تساهل, بل إن المعتزلة أشرف بكثير من الخطاب الفرانكفوني المعاصر الذي يحاول الوصول إلى تناقضات داخلية في التراث الإسلامي بهدف تحييد الوحي جملةً عن الحياة العامة.

في تقديري أن النواة الخفية التي انطلقت منها كل هذه التحولات الجذرية والحادة في المواقف والرؤى هي"المغالاة في قيمة المدنية والحضارة", فالغلو في الحضارة والمدنية الدنيوية وتحويلها إلى القضية الأولوية وغاية الغايات هو الجذر الرئيسي التي ابتدأت منه كل هذه الانقلابات المفاهيمية, بمعنى أن النموذج التفسيري الذي يقدم إجابة دقيقة حول تطبيقات هذه الظاهرة هو ما يمكن تسميته"غائية الحضارة"و"مركزية المدنية".

فيمكن القول بكل اختصار أن"الغلو المدني"ينبوع الانحراف الثقافي, حيث يستتبع التحييد العملي للوحي لأنه لايدفع باتجاه المدنية الدنيوية ويتعارض مع كثير من منتجاتها, ويورث الاستخفاف بالتراث الإسلامي لتضمنه جهاز مفاهيمي شرعي يزهد في الدنيا ويربط الإنسان بالآخرة, ويثمر لدى الشاب تعظيمًا نفسيًا للثقافة الغربية الحديثة لتفوقها المدني على غيرها من الأمم المعاصرة, فيصبح مأخوذًا بعرض منجزاتها, ويتضايق من عرض ثغرات الثقافة الغربية ويميل لتفهمها وإعطائها معنى إيجابيا أو محايدًا على الأقل وتسويغها في جنب محاسنها, ويبدأ الشاب في الابتعاد التدريجي عن العاملين للإسلام لانهماكهم بالدعوة بما تتضمنه من تعميق الإيمان في الناس والتفقه في معاني الوحي, ويصبح أساس العلاقة مع الآخر ليس مبنيًا على"أساس ديني"بحيث يوالى الآخر بقدر ما فيه من موالاة الوحي والقرون المفضلة, وينافى بقدر مافيه من منافاة الوحي والقرون المفضلة, بل يصبح أساس الولاء تجاه الآخر"أساسًا مدنيًا"مبنيًا على مقدار السعي المشترك لعمارة الدنيا بغض النظر عن حجم الانتهاكات لحمى الشريعة والفضيلة, فيغتفر لصاحب المنجز المدني -سواءً كان مؤلفًا أم اتجاهًا فكريًا أم مجتمعًا معاصرًا- كل انحرافاته الدينية وتتفهم في بحر حسناته المدنية, بينما ينظر بعين الامتهان إلى صاحب المنجز الشرعي -سواءً كان مؤلفًا أم اتجاهًا فكريًا أم مجتمعًا معاصرًا- مادام أنه غارق في القصور المدني.

وحاول أن تتأمل في لوحة العزوف الدعوي الحزينة المعاصرة, وتتبع خيوط الارتباك الفكري الذي أصاب بعضًا من شباب المجتمع المسلم اليوم, وسترى أن تلك الخيوط جميعًا تلتقي عند عقدة"المغالاة في قيمة المدنية والحضارة"فتصدر عنها وترتد إليها.

وسرح طرفك حيث شئت في الأطياف الفكرية التي تعج بها الحياة الحديثة وسترى أن الميسم الذي منح هذه الأطياف جميعًا ألوانها المتباينة هو"الموقف من الحضارة", فأخبرني ماهي الدرجة التي تحتلها"قيمة الحضارة المدنية"في سلم القيم عندك أخبرك أين تقع على خريطة الجبهات الفكرية المعاصرة.

فنحن إذا تتبعنا تطبيقات هذا الخطاب الجديد ومواقفه وآراءه وصيغ علاقاته وإحداثيات مواقعه التي اختارها على الخريطة الفكرية فسنتوصل حتمًا -كما سبقت الإشارة لذلك- إلى أن القيمة المركزية التي تسيطر عليه وتجعله يدعم موقفًا ما أو يعارضه, أو يثمن قضية ما أو يحط منها, فسنجدها بكل تأكيد"مركزية المدنية", وبناءً على مركزية المدنية فقد تحددت صيغ العلاقات مع المجتمع والتراث والغرب والدولة العربية الحديثة على أساس القرب والبعد من"التمدن المادي".

فبمجرد أن يتشرب الشاب المسلم فكرة الغلو في قيمة المدنية والحضارة والعمارة والنهضة المادية فإن هرم الأولويات وخريطة القيم تنقلب عنده رأسًا على عقب, فمن يرى أن الأولوية والقيمة المركزية في سلم القيم هي"تشييد المدنية الدنيوية"فإن الثقافة الغربية في ميزانه ستكون النموذج المتفوق, بينما سيكون عصر القرون المفضلة والحركة الإسلامية المعاصرة نموذج الإخفاق والفشل الذي يجب الاعتذار عنه.

أما من يرى أن الأولوية والقيمة المركزية في سلم القيم هي"التزكية"وتشييد المستقبل الأخروي وأن المدنية الدنيوية مجرد وسيلة, فإن التراث الإسلامي ومن بعده الحركة الإسلامية سيكونان نموذج الفرادة والتميز, بينما ستكون الثقافة الغربية نموذج الانحطاط والتخلف.

ينابيع الغلو المدني:

هذا الخطاب الذي تطور بطريقة مؤلمة ووصل إلى حالة"غلو مدني"تتعارض مع أصول الوحي, اكتنفته أربعة ظروف رئيسية شكلت أضلاع الوعاء الجوهري لتناميه, ألا وهي: مناخ سبتمبر, والضخ الفرانكفوني, وحفاوة وسائل الاعلام, ورد الفعل تجاه البغي الإلكتروني.

فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعرض الاتجاه الإسلامي إلى حالة محاكمة عالمية شرسة حدت من انسيابه ودويه وتراجعت معها شعبيته الاجتماعية بشكل ملموس. وفي ظل هذا الفراغ الجزئي الذي خلفه انكماش الحالة الإسلامية، برزت أبحاث المدرسة الفرانكفونية/المغاربية كإجابة جديدة نجحت في استغلال الظرف الأمني الحالي وحققت اكتساحًا استثنائيًا في فترة قصيرة.

ويبدوا أن هذا الرواج السريع سيكون مؤقتًا ريثما يستعيد الاتجاه الإسلامي عافيته الأمنية, إذ لو كانت"المدرسة الفرانكفونية"تتكئ على عبقرية طروحاتها الخاصة لكان متحفها عامرًا منذ الثمانينات وليس بعد العام 2001م! وإنما رواجها بعد كسادها كان تبعًا لزلزال الظرف السياسي السبتمبري الذي قلب توازنات القوى رأسًا على عقب, وسمح لكثير من الأفكار السياسية المتشنجة أن تبتسم فوق الطاولات المستديرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت