* إما لأنها تعطي إتباعها الاستقلالية التامة والحرية المنشودة مع ما فيها من كمال وشمول وصلاح ومصلحة .
* وإما أنه تسلط محض يراد به الإثارة والبلبلة في المنطقة حتى لا تستقر ويسهل الاصطياد في الأجواء المتعكرة المضطربة .
وأي دكتاتورية في تطبيق الشريعة والكل يعلم من القاصي والداني أنه ما جرى استفتاء في تطبيق الشريعة إلا وكانت الأغلبية تنادي به ولكن الرجل الأبيض وحده لا يريد ذلك بدعوى حفظ حقوق الأقلية ويتساءل المتسائل أين حقوق الأكثرية في كثير من الدول الإفريقية التي يحكمها أقلية نصرانية متمكنة مسيطرة مدعومة من القوى الخارجية .
الحدود والعقوبات الجسدية:
إن الحدود والعقوبات - جسدية أو غير جسدية - ما هي إلا أحكام تنص عليها الشريعة كما ينص على مثلها أي قانون في الدنيا باعتبارها جزاءات توقع على المخالفين .
ويبقى النظر في المصالح المتحققة من جراء القانون ومدى إعطائه أثره ونتيجته كحافظ للأمن مثبت لاستقرار الناس في معاشهم وتنقلاتهم وأخلاقهم .
وليس من الإنصاف انتزاع مادة من قانون أو حكم من شريعة وإبرازه وكأنه مثلبة في هذا القانون أو ذاك . ولكن نظرة الإنصاف تقتضي النظر إلى النظام كله ، شروط الجريمة وتحققها وشروط إيقاع الجزاء وأسباب ذلك .
على سبيل المثال في هذه العقوبات المذكور من القطع والرجم إنك لن تجد في تاريخ الإسلام الطويل تنفيذًا لها إلا بعدد لا يجاوز أصابع اليد الواحدة ليس لأنها غير عملية وإنما من أجل الأمان الذي تحققه الشريعة في صرامة العقوبة ثم الشروط الموضوعة لتطبيقها حيث تدرء الحدود بالشبهات .
وحتى يكون الأمر أكثر واقعية نستشهد بالواقع المعاصر بقوانينه ونظمه .
إن الأمم المعاصرة وبخاصة دول الغرب قد ملكت أسلحة فتاكة وأجهزة نفاذة وتقنيات متقدمة ووسائل دقيقة واستكشافات باهرة وبخاصة في مجال الجريمة ، بحوثًا ودراسات وطرق في الملاحقات وتتبع المجرمين إضافة إلى التوعية الإعلامية الواسعة للجمهور والاستنارة بالثقافة والتقدم العلمي والوعي المعرفي للأفراد والجماعات وعلى الرغم من كل ذلك فإن الجريمة تستفحل ويزداد المجرمون عتوًا وطغيانًا ، هذا من جهة . ومن جهة أخرى فإن تركيزهم منصب على استصلاح المجرمين وتهذيب الأشرار وقد أرادوا أن يجعلوا من السجون أماكن تهذيب وعنابر إصلاح واعتبروا المجرمين مرضى أحق بالعلاج منهم بالعقاب وألقوا باللائمة على عوامل الوراثة والبيئة والفساد الاجتماعي ، وهذا حق لا ينكر ولكن الأمر ليس مقصورًا على هذا الجانب وحده ، ذلك أن العضو المريض قد تكون المصلحة في بتره حتى لا يسري مرضه إلى الجسم كله وهذا أمر مقرر عقلًا ووقعًا .
والفساد الاجتماعي ما هو إلا من مجموع فساد الأفراد . أما السجون فقد غلظت فيها قلوب كثير من المجرمين وخرجوا منها في ضراوة أشد وشقاوة أعظم ومن اليسير أن يتعاون اللصوص والقتلة في رسم الخطط ويجعلوا من السجن ساحات ممهدة للتدريس وتقاسم المهمات يشاركهم في ذلك إخوان لهم في الغي خارج القضبان .
وأنت ملاحظ مدرك أن فكرة الهدف الإصلاحي للمجرمين والمعالجات اللينة قد مضى عليها أكثر من نصف قرن ومع هذا فالإجرام في تزايد مطرد فما كان هذا الهدف إلا وهمًا وسرابًا .
إن المجتمع الإنساني المعاصر بما فيهم العالم المتحضر قد بلغ ذروة من الاستهتار والاستباحة والاسترخاص للدماء والأموال والأعراض جعلت العقوبات في التشريعات الوضعية هزيلة بجانب سوء صنائع هؤلاء العتاة المجرمين ، أي رحمة أو تهذيب يستحقها هؤلاء القتلة والسفاكون ، وهل كان هؤلاء رحماء بضحاياهم الأبرياء ؟ وهل كانوا رحماء بالمجتمع كله بل تطور الأمر كما هو مشاهد إلى تطور المجرمين في وسائلهم فصاروا يشكلون العصابات التي تفوق أحيانًا في إمكاناتها ووسائلها وتجهيزاتها الدول والحكومات ولا أدري أي عقاب سوف ينزله هؤلاء الرحماء بتجار المخدرات الذين لا نزال نسمع ازدياد أخبارهم واستفحال إجرامهم حتى أصبحوا ظاهرين غير متسترين بل صاروا يفاوضون الحكومات والجهات المختصة علنًا!!
وبناءً على ما سبق فإن العلم والثقافة والحضارة في صورتها الراهنة عاجزة عن دفع الأخطار عن الإنسان الذي يعيش حياة الخوف والإرهاب على الأرض وفي الجو والبحر وفي المنزل والمكتب والمصنع والشارع .
ومجرم اليوم كما أسلفت مزود بالعلم والمعرفة ويتطور مع تطور أنظمة الشرطة وتجدد أساليب الملاحقة والمتابعة ويخطط كما يخطط رجال الأمن والكل في صراع لا يفصله إلا العقاب الزاجر العادل أفلا يفقهون .
وأخيرًا فإن هناك عقوبات جسدية تطبقها بعض القوانين المعاصرة وأبرزها عقوبة الإعدام بل هذه العقوبة كانت ملغاة في بعض القوانين ثم عادوا إليها وفي كتابنا نحن المسلمين عبارة جامعة قاطعة: { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًَا لِقَوْم ٍ يُوقِنُونَ} . [ سورة المائدة ، الآية: 50 ] .
الجهاد في سبيل الله
الكلام في الجهاد سوف يتضمن حديثًا عن القوة وضرورتها للفرد والمجتمع والأمة ، ويتضمن كذلك بيان طبيعة الإسلام وافتراقه عن الديانات الأخرى ، ومفهوم الأمة الإسلامية واختلافها عن مفهوم الأمة السائد لدى كتاب الاجتماع ودارسي التاريخ ثم التنبيه كذلك على مغزى الجهاد في الإسلام واختلافه عن مفهوم كلمة الحرب أو القتال المجرد وسر اقتران لفظة (( الجهاد ) )بلفظة أخرى تحدد مفهومها وهي (( في سبيل الله ) ).
القوة:
القوة شيء محمود وأمر مطلوب وهي صفة تتعلق بها النفس البشرية وتحبها . والإنسان حينما يأخذ أموره بحزم وينجز أعماله ويدير شئونه بقوة فإنه منجز ما يريد سواء في ذلك القوة الفكرية العلمية أو القوة المادية .
فالبدن القوي والرأي القوي والشخصية القوية كلها صفات مستحبة .
ومعلوم أن وجه الاستحباب والاستسحان إذا كان في طرق الخير ووجوه المنفعة للنفس والناس أجمعين .
والدولة القوة تحفظ مهابتها مادامت هذه الصفة ملازمة لها .
وهذه سنة إلهية من السنن التي تبنى عليها الحياة فلا خير في حق لا نفاذ له ولا يقوم حق ما لم تسانده قوة تحفظه وتحيط به .
وما فتئت أمم الدنيا ودولها تعد لنفسها القوة بمختلف الأساليب والأنواع حسب ظروف الزمان والمكان وعصرنا الحاضر تفتقت أذهان أبنائه عن أنواع من القوى وأساليب من الاستعداد فاقت كل تصور ، هذه مقدمة في القوة وأهميتها .
ومقدمة أخرى تتعلق بطبيعة الإسلام وأهله ، أما الإسلام فيخطئ غير المسلمين وبخصوص النصارى والغربيون من بعدهم حين يظنون أن الإسلام ملة مقصورة على مجموعة من العقائد الغيبية والشعائر التعبدية مما يجعل الإسلام في مفهومهم لا يعدو أن يكون مسألة شخصية يختار الإنسان لنفسه ما شاء من عقيدة وديانة يعبد ربه بأي طريق رضيها لنفسه لا يعدو الأمر عندهم غير ذلك ولكن الإسلام معناه ومرماه غير ذلك فهو اعتقاد صحيح في القلب - إيمانًا بالله إلهًا واحدًا لا يستحق العبادة سواه موصوفًا بصفات الكمال منزهًا عن كل عيب ونقص - وهو إلى جانب ذلك شريعة حاكمة شاملة لكل ما يحتاجه البشر في نفسه ومجتمعه في سلمه وحربه في تعامله مع أهله والقريب والبعيد والعدو والصديق في شرائع وأحكام وآداب تشمل النظم السياسية والاجتماعية والخلقية والاقتصادية وسائر شئون الدنيا .
وأما أهل الإسلام فليسوا أمة على المعنى المصطلح عندهم والذي يعني طائفة من الناس توافقت فيما بينها وتألفت في خصائص معينة ، ولكن أمة الإسلام تضم كل من اعتنق الدين من أي جنس أو لون أو قطر في الشرق وفي الغرب .