وفي أول مواجهة بين المسلمين وأعدائهم في معركة بدر انتصر فيها المسلمون ووقع فيها أسرى من كبراء العرب ، لقد سقطوا في الأسر كما يسقط الكبراء والأشراف في معارك الدول الكبرى من القياصرة والأكاسرة لو عوقبوا بعقاب شديد لكانوا له مستحقين فقد آذوا المسلمين أشد الإيذاء في أول قيام الدعوة الإسلامية غير أن القرآن الكريم يوجه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه بقوله: { يا أيهُّا النَّبِي قُل لّمَن فِي أيْدِيكُم مِّن الأسْرى إن يَعْلَم ِ اللهُ في قُلُوبِكُمْ خيْرًا يُؤْتِكُم خيْرًا مِّما أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لكُمْ واللهُ غفُورٌ رحِيمٌ . وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فقدْ خَانُواْ الله مِن قبْلُ فأمْكنَ منْهُمْ واللهُ علِيمُ حَكيِمُ } [ سورة الأنفال ، الآيتان: 70 -71 ] .
لقد كان هؤلاء الأسرى قبل هذه المعركة ومن أول عهد البعثة يوقعون المظالم الفاجعة بجمهور المسلمين يريدون إفناءهم أو احتلالهم . فهل يا ترى من حسن السياسة أن يطلق سراح الأسرى فورًا ؟؟؟
معلوم أن هذا يتعلق بمصالح الدولة العامة العليا ولهذه تجد أن المسلمين في بدر قبلوا الفداء وفي الفتح قيل لأهل مكة: اذهبوا فأنتم الطلقاء ، وفي غزوة بني المصطلق تزوج الرسول أسيرة من الحي المغلوب ليرفع من مكانتها حيث كانت ابنة أحد زعمائه فما كان من المسلمين إلا أن أطلقوا سراح جميع هؤلاء الأسرى .
ومن هذا تدرك الصورة المحدودة والمسالك الضيقة التي يلجأ إليها في الرق وهو لم يلغه بالكلية لأن هذا الأسير الكافر المناوئ للحق والعدل كان ظالمًا أو معينًا على ظلم أو أداة في تنفيذه أو إقراره كانت حريته فرصة لفشو الطغيان والاستعلاء على الآخرين .
ومع كل هذا فإن فرصة استعادة الحرية لهذا وأمثاله في الإسلام كثيرة وواسعة .
كما أن قواعد معاملة الرقيق في الإسلام تجمع بين العدالة والرحمة .
فمن وسائل التحرير: فرض نصيب في الزكاة لتحرير العبيد وكفارات القتل الخطأ والظهار والأيمان والفطر في رمضان إضافة إلى مناشدة عامة في إثارة للعواطف من أجل العتق والتحرير ابتغاء وجه الله .
وهذه إشارات سريعة لبعض قواعد المعاملة المطلوبة عدلًا وإحسانًا لهؤلاء:
1-ضمان الغذاء والكساء مثل أوليائهم:
روى أبو داود عن المعرور بن سويد قال: دخلنا على أبي ذر بالربذة فإذا عليه برد وعلى غلامه مثله فقال: يا أبا ذر لو أخذت برد غلامك إلى بردك فكانت حلة ، وكسوته ثوبًا غيره ؟ قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليكسه مما يكتسي ولا يكلفه ما يغلبه ، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه ) ). البخاري .
2-حفظ كرامتهم:
روى أبو هريرة قال: قال أبو القاسم نبي التوبة: (( من قذف مملوكه بريئًا مما قال أقيم عليه الحد يوم القيامة ، إلا أن يكون كما قال ) ). البخاري .
وأعتق ابن عمر مملوكًا له ، ثم أخذ من الأرض عودًا أو شيئًا فقال: مالي فيه من الأجر ما يساوي هذا سمعت رسول الله يقول: (( من لطم مملوكًا له أو ضربه فكفارته عتقه ) ). أبو داود ومسلم.
3-يتقدم العبد على الحر:
فيما يفضله فيه من شئون الدين والدنيا ، وقد صحت إمامته في الصلاة ، وكان لعائشة أم المؤمنين عبد يؤمها في الصلاة بل لقد أمر المسلمون بالسمع والطاعة إذا ملك أمورهم عبد مادام أكفأ من غيره .
أن الحرية حق أصيل للإنسان ، ولا يسلب امرؤ هذا الحق إلا لعارض نزل به والإسلام - عندما قبل الرق في الحدود التي أوضحناها - فهو قيّد على إنسان استغلَّ حريته أسوأ استغلال .... فإذا سقط أسيرًا أثر حرب عدوان انهزم فيها ، فإن إمساكه بمعروف مدة أسره تصرف سليم .
وإذا حدث لأمر ما أن استرق ثم ظهر أنه أقلع عن غيره ، ونسي ماضيه وأضحى إنسانًا بعيد الشر قريب الخير . فهل يجاب إلى طلبه بإطلاق سراحه ؟ الإسلام يرى إجابته إلى طلبه ، ومن الفقهاء من يوجب ذلك ومنهم من يستحبه !!!
وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالرقيق كثيرًا ، فقد ثبت أنه لما وزع أسرى بدر على الصحابة قال لهم: [ استوصوا بالأسرى خيرًا ] .
وروى أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دَعَك أُذُن عَبْدٍ له على ذنب فعله ، ثم قال له بعد ذلك: تقدم واقرص أذني ، فامتنع العبد فألح عليه ، فبدأ يقرص بخفة ، فقال له: اقرص جيدًا ، فإني لا أتحمل عذاب يوم القيامة ، فقال العبد: وكذلك يا سيدي: اليوم الذي تخشاه أنا أخشاه أيضًا.
وكان عبد الرحمن بن عوف إذا مشى بين عبيدة لا يميزه أحد منهم - لأنه لا يتقدمهم ، ولا يلبس إلا من لباسهم .
ومر عمر يومًا فرأى العبيد وقوفًا لا يأكلون مع سادتهم ، فغضب وقال لمواليهم: ما لقوم يستأثرون على خدامهم ؟ ثم دعا الخدم فأكلوا معهم .
ودخل رجل على سلمان رضي الله عنه فوجده يعجن ، فقال له: يا أبا عبد الله ما هذا ؟ فقال بعثنا الخادم في شغل فكرهنا أن نجمع عليه عملين .
هذا مما أسداه الإسلام للرقيق من أيادٍ !
موقف اليهود من الرقيق:
ينقسم البشر عند اليهود إلى قسمين: بنو إسرائيل قسم ، وسائر البشر قسم آخر .
فأما بنو إسرائيل فيجوز استرقاق بعضهم حسب تعاليم معينة نص عليها العهد القديم .
وأما غيرهم ،فهم أجناس منحطة ، يمكن استعبادها عن طريق التسلط والقهر ، لأنهم سلالات كتبت عليها الذلة باسم السماء من قديم ، جاء في الإصحاح الحادي والعشرين من سفر الخروج ( 2- 12 ) نصه:
(( إذا اشتريت عبدًا عبرانيًا فست سنين يخدم ، وفي السابعة يخرج حرًا مجانًا ، إن دخل وحده ، فوحده يخرج ، إن كان بعل امرأة تخرج امرأته معه, إن أعطاه سيده امرأة وولدت له بنين وبنات فالمرأة وأولادها يكونون للسيد ، وهو يخرج وحده ، ولكن إذا قال العبد: أحب سيدي وامرأتي وأولادي لا أخرج حرًا ، يقدمه سيده إلى الله ، ويقربه إلى الباب أو إلى القائمة ، ويثقب سيده أذنه بالمثقب يخدمه إلى الأبد ، وإذا باع رجل ابنته أمة لا تخرج كما يخرج العبيد ، إن قبحت في عين سيدها الذي خطبها لنفسه يدعها تفك ، وليس له سلطان أن يبيعها لقوم أجانب لغدره بها ، وإن خطبها لابنه فبحسب حق البنات يفعل لها ، إن اتخذ لنفسه أخرى لا ينقص طعامها وكسوتها ومعاشرتها ، وإن لم يفعل لها هذه الثلاث تخرج مجانًا بلا ثمن ) )
أما استرقاق غير العبراني فهو بطريق الأسر والتسلط لأنهم يعتقدون أن جنسهم أعلى من جنس غيرهم ، ويلتمسون لهذا الاسترقاق سندًا من توراتهم فيقولون: إن حام بن نوح - وهو أبو كنعان- كان قد أغضب أباه ، لأن نوح سكر يومًا ثم تعرى وهو نائم في خبائه ، فأبصره حام كذلك ، فلما علم نوح بهذا بعد استيقاظه غضب ، ولعن نسله الذين هم كنعان ، وقال - كما في التوراة في سفر التكوين إصحاح 9 / 25- 26 - ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته ، وقال: مبارك الرب إله سام ، وليكن كنعان عبدًا لهم . وفي الإصحاح نفسه / 27 /: (( ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام ، وليكن كنعان عبدًا لهم ) ).
وقد اتخذت الملكة (( إليزابيث ) )الأولى من هذا النص سندًا يبرر تجارتها في الرقيق التي كانت تسهم فيها بنصيب كبير كما سيتبين قريبًا .
موقف النصرانية من الرقيق:
جاء الدين المسيحي فأقرَّ الرق الذي أقره اليهود من قبل ، فليس في الإنجيل نص يحرمه أو يستنكره .