ولم يزد على هذا ولم يسلم، فتزوج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مارية، فأنجبت له طفل ـ سماه إبراهيم، تقديرًا وتشريفًا لأبي الأنبياء ـ عليه السلام ـ ، أما سيرين، فقد تزوجها الشاعر حسان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ ..
"تلك مُثلٌ لرسائله إلى رجالات النصرانية ومواقفهم منها. وقد ساق النبي كذلك مبعوثيه إلى رؤساء المجوسية يدعونهم إلى الله، ويحدثونهم عن الدين الذي لو تبعوه نقلهم من الغي إلى الرشاد .. وقد تفاوتت ردودهم، بين العنف واللطف والإيمان والكفر" (3) ..
والنبي محمد صلى الله عليه وسلم بذلك أول من نادى بالحوار بين الحضارات والحوار بين الأديان .. ومارس هذا الحوار كما رأيت بمستوى عال من الأدب وحسن الخلق واحترام الرأي الآخر .
ولقد أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم الكثير من الرسل لتحقيق مثل هذا الحوار بينه وبين الأمم والحضارات الأخرى وملوك وزعماء العالم..
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل الفتح وبعد الحديبية، رسله إلى الملوك:
(1) فبعث دحية بن خليفة الكلبي، إلى قيصر ملك الروم، واسمه هرقل.
(2) وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ابرويز بن هرمز، ملك الفرس.
(3) وبعث عمرو بن أمية الضمري، إلى النجاشي ملك الحبشة.
(4) وبعث عمرو بن العاصي؛ إلى جيفر وعياذ ابني الجلندي الأزديين، ملكي عمان.
(5) وبعث سليط بن عمرو إلى هوذة ابن علي، الملك على اليمامة، وإلى ثمامة بن أثال، الحنفيين.
(6) وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين.
(7) وبعث شجاع بن وهب الأسدي، من أسد خزيمة، إلى الحارث
ابن أبي شمر الغساني، وابن عمه جبلة بن الأيهم، ملكي البلقاء من عمل دمشق.
(8) وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي، إلى الحارث بن عبد الملك أحد مقاولة اليمن.
(9) وبعث معاذ بن جبل إلى جملة اليمن، داعيًا إلى الإسلام، فأسلم جميع ملوكهم، كذى الكلاع وذي ظليم وذي زرود وذي مران وغيرهم (4) .
وأسلم سائر الملوك الذين ذكرنا قبل أنهم أرسل إليهم عليه السلام، وأسلم قومهم، حاشا قيصر والقومقس وهذوة وكسرى والحارث بن أبي شمر والنجاشي، وهو غير الذي هاجر إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته، فنعاه إلى المسلمين، وخرج بهم إلى البقيع، وصف أصحابه صفوفًا، وصلى عليه، وكبر عليه أربعًا، وكان يكتم قومه إسلامه خوفًا منهم.
وتأخر إسلام ثمامة بن أثال، ثم أسلم مختارًا بعد ذلك.
وهكذا، أحدث الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحوار البناء بين أمة الإسلام والأمم الأخرى في شتى بقاع العالم .. وتواصل مع قيادات ورموز العالم آن ذاك .. فمنهم من تجاوب ، وتناقش ، وأفاض .. ومنهم من تعامل مع رسل النبي بوقاحة، كما فعل كسرى ..
لكن يبقى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم فضل السبق في مبادرة الحوار مع الحضارات الأخرى ..
هوامش المبحث السادس:
5.انظر:البيهقي: دلائل النبوة، ج 5، ص 4، وما بعدها ، باب ما جاء في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس.
6.انظر: المصدر السابق.
7.محمد الغزالي: فقه السيرة، ص 274.
8.انظر: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم:جوامع السيرة ، ص 29، 30
البحث السابع: تكريم المرأة وتحريرها من رق الجاهلية
يقول هـ. أ. ر. جب:
"إنه من المسلم به عالميًا بصفة عامة أن إصلاحاته ( أيمحمد صلى الله عليه وسلم ) رفعت من قدر المرأة ومنزلتها ووضعها الإجتماعي والشرعي" (1) ..
ويرى ول ديورانت (2) أن الإسلام قد رفع"من مقام المرأة في بلاد العرب ... وقضى على عادة وأد البنات وسوى بين الرجل والمرأة في الإجراءات القضائية والاستقلال المالي، وجعل من حقها أن تشتغل بكل عمل حلال ، وأن تحتفظ بما لها ومكاسبها، وأن ترث،وتتصرف في مالها كما تشاء، وقضى على ما اعتاده العرب في الجاهلية من انتقال النساء من الآباء إلى الأبناء فيما ينتقل لهم من متاع ، وجعل نصيب الأنثى في الميراث نصف نصيب الذكر، ومنع زواجهن بغير إرادتهن" (3) .
ويوضح إميل درمنغم (4) كيف حرر محمد صلى الله عليه وسلم المرأة ويفصل في ذلك.. قائلًا:"مما لا ريب فيه أن الإسلام رفع شأن المرأة في بلاد العرب و حسن حالها، قال عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] :"مافتئنا نعد النساء من المتاع حتى أوحى في أمرهن مبينا لهن"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم".. أجل، إن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى الزوجات بإطاعة أزواجهن، ولكنه أمر بالرفق بهن ونهى عن تزويج الفتيات كرهًا وعن أكل أموالهن بالوعيد أو عند الطلاق .... ولم يكن للنساء نصيب في المواريث أيام الجاهلية ... فأنزلت الآية التي تورث النساء. وفي القرآن تحريم لوأد البنات، وأمر بمعاملة النساء والأيتام بالعد ,ونهى محمد صلى الله عليه وسلم عن زواج المتعة وحمل الإماء على البغاء وأباح تعدد الزوجات..ولم يوصي الناس به، ولم يأذن فيه إلا بشرط العدل بين الزوجات فيهب لإحداهن إبرة دون الأخرى...وأباح الطلاق أيضًا مع قوله:"ابغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق". وليس مبدأ الاقتصار على زوجة واحدة من الحقوق الطبيعية مع ذلك، ولم يفرضه كتاب العهد القديم على الآباء، وإذا كان هذا قد أصبح سنة في النصرانية فذلك لسابق انتشاره في بلاد الغرب ، وذلك من غير أن يحمله رعايا نيرون إلى بلاد إبراهيم ويعقوب [عليهما السلام] ...وأيهما أفضل: تعدد الزوجات الشرعي أم تعدد الزوجات السري ؟...إن تعدد الزوجات من شأنه إلغاء البغاء والقضاء على عزوبة النساء ذات المخاطر" (5) ..
إن"تحرير المرأة"الذي قام به النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، كان تحريرًا شاملًا وكاملًا بمعنى الكلمة .. فقد كان النبي ـ محمد صلى الله عليه وسلم هو العامل الأساس في إيقاف الجريمة الكبرى التي كانت تمارس في حق المرأة، ألا وهي جريمة"قتل البنات خشية العار".. إن ثقافة وأد البنات كانت هي الثقافة السائدة في تصور المجتمع نحو المرأة .. ولم يجرأ أحد المصلحين قبل محمد صلى الله عليه وسلم التصدي لهذه العادة القبيحة .. بل كانت تزداد فحشًا وانتشارًا في أنحاء الجزيرة ..
هذا، وقد كانت المرأة تباع وتُشترى وتُورث .. فلما بعثَ الله محمدًا صلى الله عليه وسلم أعاد للمرأة حقوقها المسلوبة، فمنحها حق الحرية، وأن تبيع وتَشتري لا أن تُباع وتُشترى، وأن ترث كما يرث الرجل، لا أن تَورث كما كان الرجل يرثها مع مال أبيه .. إن العالم عن بكرة أبيه لم يعترف بالذمة المالية للمرأة .. وجاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقرر هذا الحق للمرأة .. فأصبحت تستطيع أن تعقد كبرى الصفقات التجارية، وتتعاقد مع من تشاء وتوكل من تشاء ..
و"في سور القرآن أشار إلى المساواة عند الله بين الذكر والأنثى بغير تفريق في التكليف أو الجزاء ، وإشارة صريحة مساواة المرأة والرجل في ثمرات الأعمال و الجهود .. وفي بعض الأمم القديمة ، والحديثة , كانت المرأة تحرم غالبا من الميراث، فأبى الإسلام هذا الغبن الفاحش...." (6) .
أما عن الاستقلال الفكري والأدبي للمرأة ، فيقول الله تعالى في القرآن: ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ[ (الممتحنة10)
"والآية تشير -بجانب ما فيها من أحكام- إلى ما كانت تستمتع به المرأة من استقلال فكري وكيان أدبي محترم" (7) ..
و"لم تكن النساء (المسلمات) متأخرات عن الرجال في ميدان العلوم والمعارف فقد نشا منهن عالمات في الفلسفة والتاريخ والأدب والشعر وكل ألوان الحياة" (8) ..