-النصيحة ، وهي كلمة جامعة تقتضي السعي بكل ما فيه مصلحة للمنصوح له ، وليست مقصورة على الإرشاد نحو أداء عبادة متروكة ، أو ترك منكر مقارف.
وقد كان من عناصر المبايعة التي بايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم عليها: (النصح لكل مسلم) (14) . وفي صحيح مسلم عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة ، قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ، والمسلم أخو المسلم، لا يخذله ولا يكذبه ، ولا يظلمه وإن إحدكم مرآة أخيه ، فإن رأى به أذى فليمطه عنه) (15) .
ومن صور النصح فيما بين المسلمين: (إرشادهم لمصالحهم في دنياهم وأخراهم ، وكف الأذى عنهم ، وستر عوراتهم ، ودفع زلاتهم ، وإبعاد المضار عنهم ، وجلب المنافع لهم ، وأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر برفقٍ وإخلاص ، والشفقة عليهم ... ) (16) .
-الإصلاح بين الناس ، وإزالة أسباب الفرقة والنزع والشقاق بينهم ، والمبادرة إلى احتواء التنافر والخصام إذا حدث ، ومنعه من أن يتطور ، وقد جعل الإسلام خصلة الإصلاح من أفضل الأعمال ، فالله يقول في كتابه { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا} النساء 114.
-النصرة: فمن حق المسلم على أخيه المسلم أن ينصره بما يستطيع من قدرات وإمكانات، والنصر شامل للجوانب المادية والمعنوية ، فكما يجب عليه نصره عندما يظلم في أمر مادي ، يجب عليه أن ينصره إذا وقع عليه ظلم أدبي ، كالغيبة والنميمة، وتشويه السمعة ونحوها.
والنصر للمسلم مطلوب من أخيه على أية حال ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ، قال رجل: أنصره إذا كان مظلومًا ، فكيف أنصره إذا كان ظالمًا؟ قال: تحجزه وتمنعه من الظلم ، فإن ذلك نصره) (18) .
-ومن ذلك أيضًا: سائر الأخلاق الإيمانية ، التي جعلها الشرع من صفات المؤمنين ، مثل صدق الحديث ، والوفاء بالعهود ، وأداء الشهادة بالحق ، والعدل في التعامل ، والعفة والحياء ، والتواضع ... إلخ .
-وكذلك الآداب العملية التي تقتضيها حركة الحياة اليومية بين الناس ، مثل: آداب التعامل المالي ، وآداب الصحبة ، وآداب الشارع والبيوت ، كالاستئذان للدخول ، وعدم التلصص عليها ، وستر ما يراه مما تضر إشاعته بأخيه ، واحترام الكبير ، والعطف على الصغير.
ومثل ذلك أيضًا: الآداب الواردة في الأحاديث الجامعة ، كالواردة في حديث: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع:أمرنا بعيادة المريض ، واتباع الجنائز وتشميت العاطس ، وإبرار القسم ، أو المقسم ، ونصر المظلوم ، وإجابة الداعي،وإفشاء السلام) (19) .
ثم إن القيم الخلقية التي شرعها الإسلام لتكون قواعد موجهة وضابطة للحياة الإسلامية تتمثل بصورتها المباشرة في هذه العلاقات بين أفراد المجتمع سواء كانت من المطلوبات كالصدق والعدل والحياء والإحسان ، والتعاون على البر والتقوى ، والإكرام ، و النصيحة أو كانت من القيم المنهي عنها كالغش والغل والتعدي على حقوق الآخرين والتكبر على الناس ، والاتهامات الباطلة ، والتلصص على العورات .. ونحوها مما جاء النهي عنه في الشريعة .
وهي قيم باستطاعتها لو استطاع النظام التربوي غرسها في نفوس الناشئة وبناء شخصياتهم عليها أن توجد مجتمعًا تتلألأ إنسانيته في أعلى درجاتها ، ويتناغم أفراده نفسيًا وفكريًا وحركيًا بأرقى صور الكمالات البشرية .
الشعب والمؤسسات الوطنية:
المؤسسات شخصيات اعتبارية ذات أهداف ربحية أو خيرية ، ثقافية أو اجتماعية ، قد تكون أهلية بحتة ؛ تابعة لمؤسسات الدولة الرسمية ولكن بشيء من الاستقلال النسبي .
هذه المؤسسات حال وسط بين الأشخاص أو أفراد الشعب ، وبين الدولة بما هي سلطة حاكمة .
بين هذه المؤسسات والشعب حقوق متبادلة كما الشأن بين أفراد الشعب نفسه:
فمن حقوق الشعب على هذه المؤسسات الصدق وعدم الغش فيما تقوم به من أعمال فقوله صلى الله عليه وسلم (من غشنا فليس منا) (20) تدخل فيه المؤسسات كما يدخل فيه الأفراد ، بل إنها تدخل في حديث (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه) (21) فهذا الحديث وإن كان يتجه بشكل مباشر إلى ولاية الحكم إلا أن عمومية اللفظ تشمل المؤسسات التي لها سلطة تتمثل في قدرتها - خاصة الربحية منها - على تحقيق مصالحها على حساب الأفراد استغلالًا واحتكارًا ودعايات مضللة - ، وبالذات إذا كانت الدولة في حالة عجز عن فرض قوانين العدل على هذه المؤسسات ، أو كانت تحمي هذه المؤسسات قوانين فوق الدولة وفق ما تتجه له حركة العولمة الاقتصادية في زمننا - .
ومن حقوق الشعب على المؤسسات أيضًا الإسهام في التنمية الوطنية ، والمبادرة إلى الأعمال الإغاثية ، وعدم مصادمة قيم المجتمع بممارسة أو ترويج ما يسيء إلى دين أو تقاليد الوطن المتواطأ عليها ، من حقوق الشعب أيضًا على هذه المؤسسات أن توجه زكاتها التي تخرجها موسميًا إليه بحيث لا تخرجها من الإطار الوطني إلا في حال الاستغناء عنها وفق دراسات مسحية كافية ويؤخذ هذا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين أرسله إلى اليمن (وأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) (22) حيث أخذ بعض العلماء من قوله فترد على فقرائهم (ترك النقل - أي نقل الزكاة إلى وطن آخر - فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح - ولم يجزئ عند الشافعية على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها) (23)
أما حق هذه المؤسسات على المواطنين فمن أبرز ما يتمثل به عدم الحقد عليها ، أو الإساءة لها بما يشوه صورتها كبث دعاية مغرضة ضدها ، وتفضيلها على غيرها من المؤسسات غير الوطنية عند التساوي بينها في منتجاتها ، ورفض الأعمال التخريبية التي تستهدفها كأعمال التطرف والإرهاب التي تسعى لتدمير المؤسسات الوطنية ، وكذلك الإخلاص عند العمل فيها ، ومواصلة نصح القائمين عليها بما يحقق المصالح العامة مباشرة عن طريق وسائل الإعلام أو غيرها .
الشعب والدولة:
الحقوق المتبادلة بين الشعب من جهة والدولة من جهة أخرى هي مدار ما يسمى الآن بـ (المواطنة ) من حيث هي حقوق متبادلة بين الطرفين .
وفي هذا الإطار ورد إنكار بعضهم - كما سبق - لهذه الحقوق في الإسلام لعدم وجود لفظ (مواطن) بمعنى شخص يشارك في شؤون وطنه ، بل يوجد لفظ يعطي المعنى المقابل - كما يتصور بعض هؤلاء - وهو لفظ (رعية) الذي يطلق على الشعب مقابل (الراعي) الذي يطلق على السلطة السياسية - الحاكم ، ولفظ الرعية يطلق أساسًا على الماشية التي يوجهها الراعي كيفما يريد .
لقد أسلفت تأكيد كثير من المفكرين المعاصرين على أن مقابل (مواطن) المعاصرة هي (مسلم) وفق مضمونها الإسلامي الذي يعني شخصًا له حقوق وعليه واجبات تجاه ما يحيط به من أشياء الوجود ومنها قطاعات المجتمع التي منها الدولة .