فهرس الكتاب

الصفحة 714 من 2255

وأما الحركة الإسلامية فتملك المشروع الطويل الأجل، الذي قد يستغرق عدة أجيال، ولكن يجب أن تجند نفسها له منذ اللحظة، وهو عليها فرض عين.. ذلك هو إعادة الأمة بالتربية إلى حقيقة الإسلام، لتقدم النموذج الحضاري الذي يساعد الناس على الخروج من الظلمات إلى النور.

موقف العلمانيين

يبدي العلمانيون ترحيبا ظاهرا بالعولمة، ويرتقبونها بفارغ الصبر، ويبشرون بالخير العميم الذي سيهب علينا من العولمة، ليخرجنا من التخلف إلى الحداثة.. ولا يخفي بعضهم فرحته بأنها هي التي ستزيل من حياتنا بقايا"القرون الوسطى"التي ما تزال عالقة بنا..

بعبارة أخرى تزيل لهم الإسلام!!

هكذا يفكرون.. وهكذا يحلمون..

ويعجب الإنسان لهذا المسخ الشائه الذي يقرأ تاريخه بعيون غيره، ويزن نفسه بميزان غيره، ويتلاشى هو حتى يصير كأنه غيره!

لقد كانت القرون الوسطى في أوربا هي قرون الظلام.. وقُرِنَ هذا الظلام - بجهالة - بالدين، من حيث هو دين! فقيل إن أوربا كانت تعيش في الظلام لأنها كانت تعيش في ظل الدين، وحين نبذت الدين تقدمت وارتقت وخرجت من الظلام إلى النور..

ونحن نعلم جيدا أن عصر التدين في أوربا كان عصر الظلام، وأن أوربا تقدمت حين نبذت دينها. ولكنا جديرون أن تكون لنا رؤيتنا الواضحة لهذا الأمر، بما نملك من المعايير التي لا تملكها أوربا، وبكوننا ونحن خارج الدائرة - أو خارج الأزمة - أقدر على الرؤية الشاملة التي قد لا يقدر عليها الموجودون في داخلها، المتأثرون بأفعالها وردود أفعالها، الواقعون تحت ضغوطها وانفعالاتها، التي قد تغشي النظرة وتفسد الرؤية.

إن أوربا لم تعرف في تجربتها - قط - دين الله المنزل! إنما عرفت دينا صنعته تصورات بشرية ضالة، أفسدت منه ما أفسدت، ثم أفسدت به ما أفسدت!

وعرفت كيانا كهنوتيا مبتدعا ما أنزل الله به من سلطان، طغى وتجبر حين واتته الفرصة، ففرض على الناس طغيانا روحيا، وطغيانا ماليا، وطغيانا عقليا، وطغيانا سياسيا، وطغيانا عليما، حَوّل الحياة إلى جحيم لا يطاق، ومع ذلك أطاقته أوربا ما يقرب من عشرة قرون، ولم تدرك ما فيه من الزيف، وما فيه من الإجحاف بكيان الإنسان إلا بعد أن احتكت بالإسلام والمسلمين كما أشرنا في فصل سابق.

وعندئذ انقلبت أوربا مائة وثمانين درجة كاملة.. فألّهت الإنسان بدلا من الله، وانكبت على الحياة الدنيا بدلا من التوجه إلى الآخرة، وحكّمت العقل في الأمور كلها بدلا من مقولات الدين، أي المقولات التي كانت تقولها الكنيسة باسم الدين..

وأوربا حرة تفعل بدينها ما تشاء!

ولكن الرؤية المستقيمة، غير المتأثرة بانفعالات المعركة.. الرؤية"العقلانية"الصحيحة.. والرؤية"العلمية"المتثبتة، كان ينبغي أن تدرس وتحلل وتنظر في الأسباب والنتائج، فتكشف حقائق الأمر، التي قد يغيبها الانفعال الثائر، أو رغبة الثأر والانتقام من طغيان الكنيسة.

ففي الفترة ذاتها التي عاشتها أوربا في ظلماتها، كان هناك نور ساطع مشرق متألق، منبثق من الدين.. ولكن من الدين الصحيح الذي لم تفسده التصورات الباطلة، والذي ليس له كهنوت ولا رجال دين يفرضون على الناس ما يفرضون، ويحرقونهم أحياء حين يرفضون!

ومن الحق أن نذكر - كما ذكرنا من قبل - أن أوربا كانت قد أوشكت أن تدخل في هذا الدين، لولا عنف الكنيسة في محاربته، ومحاربة تأثيراته في نفوس الأوربيين وأفكارهم.

ولكن الحصيلة النهائية على أي حال كانت نبذ الدين جملة وإقصاءه عن الهيمنة على واقع الحياة، أو - في أحسن الأحوال - تحجيمه حتى يصبح علاقة خاصة بين العبد والرب، مكانها القلب، ولا صلة لها بواقع الحياة السياسي أو الاقتصادي أو العلمي أو الأخلاقي أو الفكري أو الاجتماعي... إلخ.

مرة أخرى نقول إن أوربا حرة تفعل بدينها ما تشاء!

أما العلمانيون الذين يحملون أسماء إسلامية فما الذي دهاهم حتى صاروا يتصايحون بما صاحت به أوربا من قبل، ويفرون من الدين، ويدعون إلى الفرار منه كما فرت أوربا من قبل، ودينهم غير ذلك الدين، وظروفهم غير تلك الظروف؟!

إنسان يعرج لأن في قدمه شوكة تؤلمه إذا اتكأ عليها، فيأتي إنسان سليم القدمين فيقول: أريد أن أعرج مثل هذا الرجل، لأن عرجته تعجبني!!

ما علينا!

إنما نتحدث هنا عن الفرحة الغامرة التي يتحدث بها العلمانيون عن العولمة، والترحيب الحار الذي يستقبلون به أنباءها، والبُشْرَيات التي يبثونها بالخير الذي سوف يغمرنا من جرائها!

(وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (77) .

من أشد ما يستبشرون به - كما صرح متحدثون منهم - القضاء على الدين!

ولو قالوا إن الواقع الذي تعيشه الأمة اليوم واقع سيئ غاية السوء، في جميع المجالات، وإنه لا بد من إصلاحه، لاتفقنا معهم بلا نزاع، فنحن لا نفتأ نردد هذه الحقيقة في كل مناسبة..

أما موضع الخلاف الجذري بيننا وبينهم فهو نظرتهم إلى السبب في هذه الحال، وبالتالي نظرتهم إلى طريقة العلاج. فهم يقولون إن"الدين"هو السبب في البلاء كله، وإن العلاج هو نبذ الدين أو تحجيمه - كما فعلت أوربا - ونحن نقول إن البعد عن حقيقة الدين هو السبب في البلاء كله، ومن ثم فالعلاج هو العودة الصادقة إلى هذا الدين.

ونحن هنا لا نناقشهم في آرائهم (78) .. إنما نناقش فرحتهم واستبشارهم.. هل هي قائمة على أساس حقيقي؟ أم هم يحلمون؟ أم هم يتمنون ثم يصدقون أمانيهم؟!

هل ستقضي العولمة حقيقة على المد الإسلامي؟!

نرى نحن على العكس، أنها ستكون سببا قويا من أسباب انتشار الصحوة الإسلامية في كل الأرجاء!

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (79) .

من زمن بعيد، في أوائل الخمسينيات من هذا القرن، ألقى"توينبي"المؤرخ البريطاني الشهير محاضرة بعنوان"الإسلام والمستقبل"قال فيها: إن الإسلام الآن نائم نومة أهل الكهف. ولكن النائم قد يستيقظ إذا وجدت دواعي اليقظة. وقد أثبت الإسلام وجوده القوي مرتين تاريخيتين من قبل، الأولى حين اكتسح نصف الإمبراطورية الرومانية في سنوات قلائل، والثانية حين تغلب على الصليبيين في القرون الوسطى. واليوم توجد شعوب بروليتارية (يقصد الشعوب المستذلة الخانعة للإذلال، التي لا تثور ضده، ويقصد بها شعوب"العالم الثالث") يستغلها الغرب ويضغط عليها، فإذا اشتد الضغط فسوف تتحرك هذه الشعوب لتسترد كيانها المسلوب، وعندئذ قد يجد الإسلام الفرصة لتزعّم هذه الحركة، وقيادة هذه الشعوب في صراعها مع الغرب.. وفي الأخير قال: ونرجو ألا يحدث ذلك!!

ولكن الذي كان يخشاه توينبي، ويرجو ألا يحدث، قد حدث بالفعل، وقامت الصحوة الإسلامية على الرغم من كل الحرب المصبوبة عليها، أو ربما بسبب هذه الحرب!

واليوم تأتي العولمة لتشعل الموقف!

إن العولمة هي أسوأ صورة من صور الاستعمار عرفتها الأرض حتى اليوم.. صورة عاتية غاشمة لا تريد فقط سلب أقوات الشعوب واستغلالها، إنما تريد محو شخصيتها، وتحويلها إلى أتباع وعبيد.

ورد الفعل المتوقع - ولو بعد فترة من الوقت - هو ثورة هذه الشعوب لكيانها المسلوب، وتحركها لاسترداد ما سلب منها من خامات وأموال، وكرامات وعقول وقلوب..

وسيكون الإسلام هو قائد حركة التحرير!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت