أفلا يذكرون أن أمريكا صاحبة العولمة - أو اليهود الذين يسيّرونها - هي التي زرعت في العالم الإسلامي تلك الحكومات التي تذبّحهم وتقتّلهم وتشرّدهم وتضع شبابهم في المعتقلات والسجون؟
فما الذي سيتغير في خريطة الأحداث حين نعتنق نحن الديمقراطية التعددية، ونجعلها شعارا لنا، نعلنه، وننادي به، ونؤكد عليه، ونقسم بأغلظ الأيمان أننا سنتبعه؟!
هل سيمنحنا هذا شيئا من الحقوق المسلوبة أو الضمانات المطلوبة؟ أليس صاحب العولمة هو ذاته الذي يحرض الحكومات على مقاومة التيار الإسلامي وكبته ومحاولة القضاء عليه؟! فما الذي سيتغير حين نعلن نحن أنفسنا ديمقراطيين تعددين؟! وما حصيلة تجربة الجزائر، وتجربة حزب الرفاه في تركيا؟!
إننا لا ندعو إلى العنف.. ونعلن بملء أفواهنا أننا لا نجيزه، ولا نعتقد أنه يفيد الدعوة، بل نقول إنه مخالف للمنهج النبوي، وإنه يضر الدعوة ولا ينفعها (59) .
ولكنا نقول مع ذلك إن تحكيم شريعة الله إلزام رباني، لا خيار للبشر في تركه أو الإعراض عنه إذا أرادوا أن يكونوا مسلمين: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (60) . (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (61) .
وليس بيننا وبين الديمقراطية - كتنظيم سياسي - خصومة ذاتية، وإنما الخصومة هي من جانبهم، لأنهم يرفضون الالتزام بتحكيم شريعة الله! فهل يصل الأمر بأي حركة إسلامية أن تقبل وضعا يرفض تحكيم شريعة الله، وتمنحه شرعية الوجود؟! وحين نتنازل عن هذا الإلزام الرباني، فماذا يبقى لنا من الإسلام؟! وحين لا نتنازل - ولا خيار لنا في عدم التنازل - ترفضنا الديمقراطية ولو تمسحنا بها ألف عام!!
ثم إن هناك وهمًا لا بد من التنبيه إليه!
إن الديمقراطية - أو قل على وجه التحديد إيجابياتها من ضمانات وحقوق - ليست جهازا يستورد، فيوصل بالدائرة الكهربائية فينتج من ذات نفسه حقوقا وضمانات!
إن الديمقراطية التي يستمتع بها الغرب اليوم بإيجابياتها (ودع عنك مؤقتا سلبياتها) عمرها مائتا عام على الأقل من الكفاح المتواصل، قدمت فيه الشعوب ضحايا عديدين من أبنائها، قتّلوا، وشرّدوا، وسجنوا، وحوربوا بكل وسائل الحرب، حتى استطاعوا في النهاية أن يحصلوا على ما تشتمل عليه الديمقراطية من حقوق وضمانات، وإن كانوا لم يستطيعوا قط أن يتغلبوا على سلبياتها لأنها - عندهم - سبيكة واحدة اختلط فيها الحق والباطل.
فهل سنصل نحن إلى ما وصلوا إليه من حقوق وضمانات بمجرد أن نعلن أنفسنا ديمقراطيين؟! أم لا بد من تربية الأمة لكي تحافظ على حقوقها وترفض الاعتداء عليها، كما تربت الأمم التي وصلت إلى ما وصلت إليه من خلال كفاحها ونضالها وتضحياتها؟!
وإذا لم يكن من التربية بد، وهي عمل مجهد مُضْن بطيء الثمرة وإن كان أكيد المفعول، فهل الأجدر بنا نحن المسلمين أن نبذل جهد التربية في أمر يختلط فيه الحق والباطل، أم في الأمر الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الإسلام؟!
في كلا الحالين سنبذل الجهد، ونصبر على اللأواء، ولكنا في إحدى الحالين نحرز متاع الدنيا (وهو مشوب) ، ونحرز غضب الله بالإعراض عن شريعته، وفي الحالة الثانية نحرز متاع الدنيا ورضوان الله.
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (62) .
(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (63) .
إن الحركة الإسلامية تملك الكثير..
فبدلا من أن تقولب نفسها في القالب الذي يريده لها أعداؤها، فترسّخ بذلك كيد أعدائها لها.. بدلا من ذلك عليها أن تبرز البديل الغائب، وتعرض النظام العالمي الصحيح.
الإسلام هو النظام العالمي الصحيح. سواء بالنسبة لمعتنقيه، أو بالنسبة"للآخر"الذي لم يعتنق الإسلام.
فإذا كانت السمة الكبرى للعولمة هي القهر والإلزام والضغط على المستضعفين ليخضعوا لسلطانها. فإن السمة الكبرى للإسلام أنه لا يكره أحدا على اعتناقه: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ..) (64) ، (...ً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (65) ؟!
وإذا كانت السمة البارزة للعولمة هي فرض قالب معين للحياة - هو القالب الأمريكي - ليتقولب الناس في داخله قسرا، ولو كان مقاسهم مختلفا عن مقاسه، فتتم قولبتهم ببتر بعض أعضائهم أو تحطيمها، فإن الإسلام - دين الله - يقر الاختلاف كأمر واقع، فرضه الله في الخليقة لحكمة يريدها: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ...) (66) .
إنما يلزم الإسلام معتنقيه بثوابت معينة ومعايير معينة يعلم الحكيم الخبير أنها لازمة لتكوين الإنسان الصالح، الذي يصلح أن يكون خليفة في الأرض: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (67) . (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ...) (68) .
ولكنه - حتى مع معتنقيه - لا يجعلهم نسخا مكررة كالآلات. والدليل الواقعي هو اختلاف المذاهب واختلاف الآراء، الذي أقرته الأمة منذ يومها الأول، ولم تضق به، ولم تضيق عليه، إنما تضيق على الذين يخرجون على الثوابت بحجة الحرية الشخصية أو حجة الاجتهاد أو غيرها من المعاذير للتفلت من دين الله.. فهؤلاء حكم الله فيهم أنهم مرتدون.
أما غير معتنقيه فإن كانوا يعيشون على أرضه وتحت رايته"فلهم ما لنا وعليهم ما علينا"وإن كانوا خارج أرضه وخارج سلطانه فإن كانوا محاربين يحاربون، وإن كانوا مسالمين يعاهدون، ويعاملون بالقسط: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (69) .
وإذا كانت العولمة حصيلتها الحقيقية النهائية استعباد المستضعفين لسلطانها، تحت أي عنوان وتحت أية معاذير، فالإسلام هو الذي جعل عمر - رضي الله عنه - يقول لأحد ولاته: يا عمرو! متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!
إنما قبل ذلك كله، وفوق ذلك كله أنه إذا كانت العولمة تصدّر للناس الإلحاد والفساد الخلقي والفوضى الجنسية والشذوذ والانحراف، وتفرضه في"مؤتمرات!"عالمية، فالإسلام حريص كل الحرص على تطهير الناس من الدنس الروحي والأخلاقي، ليرتفع الناس إلى المستوى اللائق"بالإنسان".