فهرس الكتاب

الصفحة 643 من 2255

إذًا المطلوب هو إعادة نظر وإعادة تفسير وصولًا إلى فهم جديد لأحكام الدين، كما يُقدّم رؤيته لمفهوم"السفور"اجتماعيًا، فهو يعني"ظهور المرأة في مكانتها اللائقة في الحياة باعتبارها مخلوقة لها حقوق طبيعية يجب أن تحصل عليها ولها وظيفة كبيرة يجب أن تؤديها" (185) .

ويجري التركيز في"الخطاب السفوري"على إبراز مثالب الحجاب، وفضائل السفور، ودعوة النساء للثورة على الحجاب ، فهو يولد سوء الظن بين الرجل والمرأة (186) ، وهو يجني على الأدب والفن، لأن الشاعر والفنان"لا يجد الكائن الجميل الذي يصوّره، أو هو لا يشعر به في الناحية الاجتماعية" (187) ، وهناك دعوة يوجهها علي عبدالرازق إلى المبادرة العملية، ومن خلال الممارسة للتخلص من الحجاب،"فلقد علّمتنا التجربة في مصر أن السفور كبعض مسائل الحياة الأخرى، إنما يكون حلّه عن طريق العمل لا من طريق البحث والجدل"، فهو يدعو إلى العمل وعدم الاكتفاء بالجدل،"إننا قد أصبحنا نعتقد أن من الواجب علينا أن نحول بين الجدل وخصوصًا الديني، وبين شؤون الحياة الاجتماعية العملية، بقدر ما يجب أن نحول بين حركة النهوض في الشرق، وبين كل ما يعوق ذلك النهوض"، وهو يعتقد بأن مصر اجتازت طور البحث النظري في مسألة السفور والحجاب إلى طور العمل والتنفيذ، لكن المشكلة -في نظره- التي تواجه المصريين اليوم"إنما هي الوسيلة التي يتدرجون بها إلى السفور الفعلي، تدرجًا لا يكون فيه منافرة بين ذوق الحجاب القديم، وذوق السفور الجديد" (188) !!

وإذا كان"الخطاب السفوري"يقدم صورة منفّرة للحجاب ولوضع المرأة"المحجبة"؛ فإنه أفرد صفحات واسعة من الصحافة الليبرالية، لتعريف المرأة المصرية بأنماط جديدة من السفور التغريبي، في الأزياء، والسلوك ، والعادات (189) .

وفي هذه البيئة الفكرية تنامت الدعوة إلى تحطيم كل الحواجز والحجب أمام الاندماج الكامل للمرأة في الحياة الاجتماعية، لكننا لا نعدم أصواتًا تنادي برأي أخف في هذه المسألة (190) .

وهناك من ينادي بضرورة الاستفادة من تجربة الاختلاط في الغرب، ويزعم أنها لم تهدد الأخلاق العامة، بل إنها زادت في متانة أخلاق الشباب، وقلّلت من النظر إلى المرأة بوصفها جسدًا !! ومن باب"موضوعة الجنس"فقط، بل إن الفصل بين الجنسين هو ادعى إلى إثارة الشهوات، وفيه الكثير من سوء الظن بأخلاق المرأة والرجل (191) !!

ويخرج د. محمود عزمي على الناس ليعلن أن"الاختلاط الصريح"بين الجنسين له من الأهمية ما لتحقيق"التعادل الفكري"بين الرجال والنساء من أهمية، لذلك فإنه لا إمكانية"لإصلاح صحيح للجماعة الشرقية إلا إذا توافر فيها هذان العاملان توافرًا شاملًا جريئًا" (192) !!

لقد أصبح"السفور"مجرد وسيلة للوصول إلى نشوء المجتمع المختلط"الذي يُقرّب مسافة الخلف بين الجنسين، ويُقيم علاقات بين الرجل والمرأة على قاعدة التفاهم الفكري والعاطفي"، لذلك يأسف البعض على"أننا لم نخطُ بعد الخطوة الحاسمة في سبيل تطبيق روح الحضارة العصرية على عاداتنا وأخلاقنا وأساليب حياتنا" (193) .

من الواضح أن الخطاب الليبرالي في هذه المسألة قد تابع قاسم أمين في أفكاره، فضمّ أصواتًا"توفيقية"، لكنه بدأ يعرف أصواتًا تنادي بالاختلاط الصريح والكامل.

ويظهر أن البعض بدأ يعوّل على"الموقف"العملي وليس مجرد"التنظير"الفكري للمسألة، والمناخ العام أصبح في صالح السلوك السفوري، واستمر الهجوم على الحجاب والحجب، كما جرى الربط بين السفور، والتقدم، واعتبار الحجاب سلوكًا متخلفًا يتنافى مع التقدم والمدينة، ويعطّل قدرات المرأة، وفي موازاة ذلك هناك جهود إعلامية كبيرة لإشاعة ثقافة السفور على الطريقة الغربية الخالصة.

2-الدعوة إلى التعليم والعمل والحقوق السياسية للمرأة:

لم تكن مسألة حق المرأة في التعليم موطن جدل كبير في الفكر العربي الحديث، فقد كان هناك شبه إجماع على حقها في التعليم من حيث المبدأ، أما الخلاف الذي ظهر فهو حول المستوى والنوعية، وجاء هذا الاختلاف مرتبطًا بطبيعة الموقف من مشاركة المرأة في الحياة العامة، ودرجات هذه المشاركة ونوعيتها.

لقد دافع الطهطاوي عن حقها في التعليم، وخصص كتابًا للدعوة لتعليم البنات والبنين (194) ، وتابعه علي مبارك"أبو التعليم"في مصر، بالتأكيد على إيمانه بقدرات المرأة العقلية والفكرية، هذا من الناحية الفكرية المجردة.

أما من الناحية العملية فقد عبّر عن هذه الرؤية من خلال الممارسة عندما تولى نظارة المعارف (195) .

أما قاسم أمين فقد تدّرج في موقفه من مسألة تعليم المرأة، ففي"تحرير المرأة"طالب بحقها في الحصول على"التعليم الابتدائي على الأقل حتى يكون لها إلمام بمبادئ العلوم" (196) ، مؤكدًا على أنه ليس ممن يطلبون"المساواة بين المرأة والرجل في التعليم، فذلك غير ضروري، وإنما أطلب الآن ولا أتردد في الطلب أن توجد هذه المساواة في التعليم الابتدائي على الأقل" (197) ، إذًا هو يكتفي الآن بالتعليم الابتدائي، لذلك نجده يطوّر موقفه هذا في كتابه"المرأة الجديدة"ليطالب بالمساواة التامة في التعليم، فيقول:"لا نجد من الصواب أن تنقص تربية المراة عن تربية الرجل"سواءً التربية الجسمية أو الأدبية أو العقلية (198) ، بل وينادي بمنحها الحق في التعليم المستمر عبر الانخراط في الحياة العامة (199) .

لقد بلغ قاسم أمين الذروة في مطالبه، فلم يدع لمن يأتون بعده شيئًا يطالبون به في مستوى التعليم المنشود للمرأة، فبقي التيار الليبرالي يؤكد على فكرة المساواة التامة في التعليم بين المرأة والرجل، وراح يمارس تأكيد هذه الرؤية عبر الفكر والممارسة.

ومن المعلوم درجة ما تمتع به الليبراليون من قدرة على صنع القرار، وتنفيذه عبر وجودهم القوي في السلطتين التشريعية والتنفيذية.

وقد عوّل الليبراليون كثيرًا على التربية والتعليم كوسيلة للنهوض بالمرأة، فهذا صوت نسائي عبر مجلة"السفور"يؤكد أن"التعويل ينصب على التربية والتعليم أولًا، إذ هي الوسيلة الفعّالة للنهوض بالمرأة وتصحيح أحوالها" (200) ، والحركة النسائية المصرية أكّدت عبر مسيرتها على مطلب التعليم، فبرنامج الاتحاد النسائي يطالب بـ"مساواة الجنسين في التعليم"، ويطالب بـ"فتح أبواب التعليم العالي للفتيات، والإكثار من المدارس الثانوية للبنات" (201) .

لكن التيار الليبرالي وفقًا لمرجعيته الفكرية، ورؤيته لدور المرأة في المجتمع، تبنى الدعوة للتعليم المختلط، واجتهد رموزه في الترويج له، وإبراز فضائله وإيجابياته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت