فهرس الكتاب

الصفحة 548 من 2255

ولا شك أن الضحية الأولى هم شباب الأمة الذين صاروا يتساقطون أفواجا أفواجا أمام هذا الزحف الفكري الصليبي ، فكان من نتائجه تلك ذوبان الشخصية الإسلامية ، وتشويه معالم الشرع في قلوب المسلمين ، ونشوء جيل مسلم خائر غير قادر على حمل رسالة الإسلام إلى الإنسانية ، وتوقف المد الإسلامي الذي كان منتظرا منه أن يكون منقذ البشرية من وهدتها وورطتها .

وقد اختلفت الرؤى حول كيفية صد هذا الخطر الداهم ، ومقاومة هذا الزحف العنيد ، فكان كل يدلي بما رآه قريبا من إحساسه الدعوي ، ويمحص ما يراه أنفع وأجدى في العلاج والحل .

لكن مع سبر كثير من كتابات ودعوات العلماء والدعاة والمصلحين في الآونة الأخيرة أستطيع أن أجزم مطمئنا أن الجمهرة الغالبة صارت تميل إلى أن ما تعانيه الصحوة الآن من بطء في السير وقصور في الأداء ، وفشل في بعض الميادين مرده إلى عدم الاهتمام بشريحة الشباب التي تمثل الطاقة الهادرة في أية حركة اجتماعية .

وبعيدا عن الإحصائيات الإسكانية التي تثبت أن نسبة الشباب والمراهقين في الدول الإسلامية يبلغ النصف في معظم الدول ، وفي بعض الدول فإنه يفوق النصف ، أقول: بغض النظر عن هذه الحقيقة فإن أحدا لا يماري في أن شريحة الشباب هي أقوى شريحة في المجتمع وعليها تعول كل الخطط التنموية في بناء الحضارات ونشدان التقدم .

وإزاء هاتي القناعتين:

(1) أن شباب الصحوة يعاني كسادا في الجانب التربوي .

(2) وأن شريحة الشباب هي أهم شريحة في المجتمع .

يمكننا أن نشير بأصبع الاتهام الجريئة إلى كل من يقصر في هذا الدور التربوي ، بدءا من الاهتمام بالمشكل كمشكل ، وانتهاء بتطبيق منهج تربوي متكامل إزاء هذه الشريحة .

( الحل: تربية ربانية من نوع فريد )

إن التحدي الحضاري الضخم الذي تخوضه أمتنا الآن يجب أن نستعد له بجملة من الإنجازات التي يجب أن تتأسس قبل أن نفكر أصلا في خوض هذا الصراع ، وليست هذه الإنجازات من قبيل ما نجهله أو نعجز عن تحقيقه ، بل هي حقائق متفق عليها في أدبياتنا ، ومشروعات لم يجر أي نزاع بين أي اتجاه من اتجاهات الصحوة حولها ، فالإجماع منعقد على ضروريتها ، والاتفاق واقع حول لزومية تنفيذها .

إنني مع الاستقراء الطويل والدقيق لأدبيات الصحوة الإسلامية أستطيع أن أجزم أن الشيء الوحيد الذي اتفقت عليه كل اتجاهات الصحوة كخطوة أصيلة في بناء الأمة المسلمة القوية القادرة على استعادة أمجادها ، والنهوض من كبوتها إنما هو التربية .

ومهما اختلفت الرؤى حول هذا اللفظ ومعناه ، ومهما تباينت المعاني الاصطلاحية حول مدلوله وعمقه فسيبقى أن القدر المتفق عليه من معناه أن يعاد بناء الشخصية المسلمة ، وهذا كاف في إثبات أهمية التربية كحل وحيد لهذا العرج الإصلاحي الذي تعاني الصحوة الإسلامية .

ويبقى بعد ذلك احتياجنا أن نثبت أن التربية التي تحتاجها الصحوة لا بد أن تتوفر فيها ثلاثة أمور أساسية حتى نضمن حصول الثمرة منها ، كما نضمن تناسبها مع مقاصد الصحوة الإسلامية بل الروح الإسلامية التي تتقمصها الصحوة .

تلك الأمور هي:

(1) العقيدة القوية بما تتضمنها من إيمان كامل بمرجعية الكتاب والسنة .

(2) العلم بما يتضمنه من كفاية وأهلية للقيام بالحجة الشرعية ، ونعني بالعلم كل ما أفاد نصرة الدين ، ولكن يتأكد العلم الشرعي باعتباره مادة النذارة وحجة الرسل وأتباع الرسل .

(3) الجهاد ، والحركة ، والبذل ، باعتبار الثلاثة مظهر من مظاهر قوة المعتقد ، والطريق الوحيدة للإصلاح والتغيير .

وهذه الأمور الثلاثة هي ركيزة الجهد التربوي الذي ننشده ، بل هي الملامح الأصيلة التي بها نضمن تنشئة جيل قادر على حمل أمانة الدين وتبليغها للكون .

وهذه الأمور الثلاثة تجمعها الربانية التي أمر بها الله تعالى في قوله: ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) .

فالربانية كانت في مقابل الشرك الذي نفاه الله عن دعوة المرسلين ، وهو ركن العقيدة المذكور ، والربانية مأخوذة من ربان السفينة ( كما حققه ابن جرير الطبري رحمه الله ) أي قائدها ، والقائد لا بد له من جهاد وحركة وبذل ، وإلا ما صلح للقيادة أصلا ، كما أن الآية نصت على دراسة الكتاب وتعليمه ، وهو أساس العلم المشروط فيما سلف .

إن ربانية التربية هي الحل الوحيد لاستنهاض جيل الشباب في كل مكان ، ولجعل هذا الجيل متأهلا لاستنهاض الأمة وقيادتها نحو الريادة والمجد .

وليس من ريب أن أية محاولة تربوية تنحِّي هذه الملامح محكوم عليها بالفشل ، مأذون لها بضياع الجهد والتعب ، فأجدر بمن تصدر لهذا الدور الجلل أن يعاود الفكرة في ما ذكرنا من المعاني ، وفيما سنسطر في هذا الكتاب ليتأسس جهده على بينة ، وليكمل بناؤه على هدى ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

وهذه المعاني التي ذكرناها متسلسلة أردنا بها أن نثبت أن الصحوة في قد بلغت حدا من الضرورة يملي عليها أن تعزم عزمة جادة في درب التربية الربانية ، فليس من بديل لهذه الغثائية التي نعانيها إلا الاهتمام بالكيف ، وتحسين النوع ، والرقي بمستوى المهارة لدى جيل الشباب ، وما من سبيل لخوض الصراع الحضاري الضاري الذي بدأ معتركه إلا بحشد الإمكانيات كلها لإبادة كل جينات الفشل وبقايا المعوقات والصفات المثبطة التي تخلد بالصحوة ورجالها إلى الأرض ، وتحول بينهم وبين الزحف الظافر باليقين القاهر .

وهذه التربية إذا أردنا لها ظفرا ونجاحا فلا بد أن تقوم على أساس من العلم متين ، ونعني بالعلم منهجيته ، بمعنى أن تقوم التربية على منهج واضح المعالم والملامح ، وليس خاضعا للتجارب الفردية ، والأهواء الذاتية ، بل مراعيا لنص الوحي ، متابعا لطريق المعصوم ، متحريا لأمارة الحق التي لها نور من أدلة الشرع وهدى من البينات والفرقان .

نعم .. إن جانبا ليس بالقليل من التربية مبني على الممارسة ، والممارسة أصلا يجب أن تخضع لمرجعية الشرع ، فلا حركة ولا جهاد إلا ببرهان وبينة ، كما أنه لا عبادة إلا بدليل ، ومع أن الأصل في المسلم أنه متحرك لدينه ، إلا أنه يتحرك وفق ما رسمه له الشرع ، لا ما يرسمه له هواه ، وتمليه عليه أمانيه .

فمع تضافر التجربة والممارسة بإزاء البرهان الشرعي تتولد الشخصية الربانية التي استهدت بنور الوحي ، وارتسمت منهج المعصوم صلى الله عليه وسلم ، وراعت حقيقة الشريعة ، فكان سعيها نورا على نور ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) .

وهذه الأوراق محاولة لتقعيد هذه التربية الربانية ، والانتحاء بها عن الارتجال إلى النظام والدقة ، ودعوة للمربين أ يمارسوا هذه التربية الربانية بنوع من وضوح الرؤية ، بعيدا عن الاقتراحات التي صارت وليدة الظرف ، والتجارب التي صارت رهينة المشكل ، فأضحت عمليتنا التربوية أشبه ما يكون بعملية جراحية يمارسها طبيب مبتدئ أو جراح غير متخصص فهو يثخن في المريض الجراح راجيا أن تفلح تجربة من تجارب مشرطه ومبضعه ، والضحية هو المريض المسكين .

إن من مقاصد وضع هذه الأوراق أن نشاهد بداية حملة جادة لجعل التربية الربانية شغلا شاغلا لشباب الصحوة تعلما وتعليما وتثقفا ، فينشغل الكل منذ أن عرف طريق الله بما يؤهله لبلوغ هذه الربانية المنشودة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت