يتساءل المسلم وهو على مشارف عام ميلادي جديد عن دور المسلمين في مواجهة العولمة الأميركية - الصهيونية- التي تهدف إلى إلغاء الدين والهوية واللغة ؟ ويأتي التساؤل أيضًا عن موقع الإسلام في قلوب أبنائه ؟ وهل صحيح ما يقال من أن الصحوة الإسلامية تأخذ طريقها بين أبناء المسلمين ؟ وأنها لا بد أن يكون لها دور مستقبلي في مواجهة الأخطار والتحديات القادمة ؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست من قبيل التنبؤ ولكنها من قبيل الاستقراء للأحداث التي حصلت في القرن الحالي ، ومن قبيل يقين المسلم بأن العزة لهذا الدين ولو بعد حين .
إن مما يستطيع أن يدركه أي مسلم عايش الفترة الزمنية الممتدة من السبعينيات إلى الآن، هو وجود بذور صحوة إسلامية لم تكن موجودة فيما قبل ، فإذا أمكن الحصول على فيلم فيديو يصور الحياة اليومية في أحد الشوارع العربية ( ذات الأغلبية المسلمة ) في فترة السبعينيات ومقارنتها بفيلم آخر للشارع نفسه في يومنا هذا يلاحظ بسهولة تغيرات بين ذاك الزمن وهذا .
لقد كان الناس - في تلك الأيام - يفتتحون يومهم بالاستماع إلى فيروز وإلى الأغاني الكلاسيكية ، وكانت أصداء هذه الأصوات تملأ آذان المارين أمام المحلات التجارية في طريقهم إلى مدارسهم أو مراكز عملهم ؛ أما اليوم فإن هذا الفعل قد استبدل - بفضل من الله تعالى - وأصبحت آيات القرآن الكريم تصدح في المحلات التجارية وداخل البيوت أيضًا ، فإذا فتحت النافذة صباحًا تأتيك آيات القرآن الكريم أو يأتيك صوت العالِم أو الخطيب الذي يلقي درسًا أو خطبة دينية تستمع إليها ربة المنزل وهي تقوم بأعمالها المنزلية .
ويمكن أيضًا بالمقارنة بين صور الناس في تلك الفترة وصورهم اليوم ، أن يُلحظ اختلاف واضح في لباس الناس بين هاتين الفترتين ، ففيما كان الحجاب نادر الوجود في تلك الفترة نتيجة الانقلاب الذي قامت به بعض النسوة تحت شعار الحرية ، أصبح الحجاب - وبرغبة من المرأة أيضًا - لباسًا إسلاميًا تفخر به المرأة ، وتتمسك به تمسك افتخار وتحدي ، أما المسلم الملتحي الذي كان فيما مضى نادر الوجود ، فقد أصبح وجوده اليوم أمرًا عاديًا لا يلفت انتباه المارة .
إن هذه الأمور جد مهمة ، لأنها إنما تعبر عن تمسك المسلمين بأوامر الله عز وجل الذي أمر باتباع دينه ونهى عن متابعة أهل الكتاب ، قال عز وجل:
"ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ، قل إن هدى الله هو الهدى ، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير"، سورة البقرة ، الآية 120.
قال الامام ابن تيمية في تفسير هذه الآية:"فانظر كيف قال في الخبر"ملتهم"وفي النهي"أهواءهم"لأن القوم لا يرضون إلا باتباع أهوائهم من قليل أو كثير ، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه ، أو مظنةٌ لمتابعتهم فيما يهوونه"، اقتضاء الصراط المستقيم ، ص15.
إن في ترك التشبه بالكفار ترك لاتباع الهوى وتمسك بالعقيدة ، لأن من فعل هذا الأمر مختارًا إنما يفعله نتيجة إدراك داخلي بوجود آمر يأمره بفعل هذه الأمور ، وبما أن الأمر في مثل هذه الحالة لا يمكن أن يكون نابعًا عن النفس وعن الشيطان لكونهما لا يأمران بمعروف ولا ينهيان عن شهوة ولذة ، فإنه في هذا الحالة لابد أن يكون نابعًا عن إيمان بالله الذي أمر عباده بالمعروف ونهاهم عن المنكر .
إن ميزة هذه الأفعال أنها ليست فردية ، كما أنها - إن شاء الله تعالى - في تزايد مستمر ، مما يجعل المراقب المحايد يتيقن أن الأمر اليوم يختلف عما سبق ، وأن الدافع وراء هذه التصرفات ليست دوافع آنية فردية ، بل هي نابعة عن صحوة إسلامية في نفوس أبناء الإسلام الذين نفضوا عن أنفسهم غبار الهزيمة والانحطاط وعادوا إلى أصالتهم وتمسكهم بدينهم .
وفي محاولة لمعرفة دوافع هذه الصحوة وتحليل بعض مسبباتها ، يمكن ذكر ما يلي:
-1- فشل الحلول المستوردة ووعود التيارات المتغربة ، التي كانت منتشرة بين الناس في تلك الفترة الماضية ، والتي نجحت في السيطرة على المجتمع الإسلامي وبث السموم في نفوس المسلمين عبر المدارس والجامعات ، وعبر إرسال البعثات التعليمية إلى الخارج التي كان لها دور في الدعوة إلى اللحاق بركب الحضارة الغربية ونبذ التخلف والتراجع الذي كان متمثلًا - بنظر المُبتعثين- بالتمسك بالدين والهوية الإسلامية .
-2- انتشار العلم الشرعي بين الناس وسهولة الحصول عليه ، فانتشر العلم بين الخاصة والعامة ولم يعد مقصورًا على طبقة العلماء فقط ، فأصبح من السهل على كل طالب علم أن يلتحق بالمعاهد والكليات الشرعية أو يلتحق بحلقات العلم في المساجد والبيوت ، كما أصبح من السهل على كل من يريد أن يتعرف على دينه أن يصل إلى مبتغاه عبر وسائل الإعلام المرئية وغير المرئية ، تلك الوسائل التي تعنى بنشر العلم الديني وتعريف الناس بمبادئ هذا الدين الحنيف .
-3- عودة الناس إلى الفطرة التي فطرهم الله عليها في عالم الذر ، قال تعالى:"وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ، وأشهدهم على أنفسهم ، ألست بربكم، قالوا بلى ، شهدنا"، سورة الأعراف ، الآية 172.
فالناس منذ آدم يؤمنون بوجود الله سبحانه وتعالى ، والرسل والأنبياء لم يبعثوا لكي يقولوا للناس أن هناك إلهًا ( أي لأن هذا معروف بالفطرة ) ولكنهم بعثوا"لتصحيح مسار العقيدة وتقويم الفطرة مما تقع فيه من الضلال"، محمد قطب ، مذاهب فكرية معاصرة ص608 .
فإذا قومت الفطرة وذهبت الموانع التي كانت تحول بين الإنسان وفطرته ، فلا بد أن يعود إلى الالتزام بشرع الله مصداقًا لقوله تعالى:"فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ."
-4- التجاء المسلمين إلى الله عز وجل بعد أن أيقنوا أنه لا ملجأ منه إلا إليه ، وقد كان لابتلاء الله عز وجل بالخوف والجوع والنقص في الأموال والأنفس أثره في هذا المجال ، لأن سُنة الابتلاء جعلها الله سبحانه وتعالى سبيلًا أمام العبد للإنابة إلى الله والعودة إليه ، قال تعالى:"ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون"، سورة البقرة ، الآيتان 154-155.
فهذا الابتلاء من الله عز وجل للعباد هو لاختبار صبر الصابرين ، ولرفع درجات المؤمنين، وليعلم العبد أن الله هو الخالق الواحد الرازق المحيي المميت ، وهو أيضًا الغفار مجيب الدعاء ، فهو القائل:"وقال ربكم ادعوني أستجب لكم"، سورة غافر ، الآية 60.
-5- انتباه المسلمين إلى المؤامرة التي طالت الأمة الإسلامية حيث تكالب الأعداء عليها وتحيزوا ضد أبناءها وظلموهم ظلمًا لا سبيل لرفعه إلا بتكاتف أبناء الإسلام حول دينهم ، لأنه لا سبيل للعزة والنصر إلا بالعودة إلى تعاليم الإسلام والتزام شرعه ، وقد أدرك المسلمون أيضًا كذب هؤلاء الأعداء حين رفعوا شعارات لا يؤمنون بها ولا يطبقونها على أنفسهم ، كشعار الدفاع عن حقوق الإنسان ، وشعار حرية المعتقد ، وما إلى ذلك .
كل ما سبق كلام واقعي يمكن ملاحظته بسهولة بالاستقراء ، ولكن السؤال هو التالي: ألا يلزم لهذه الصحوة دعائم وأسس ؟ ألا يمكن للمسلمين اليوم أن يتراجعوا عن صحوتهم تحت أي شعار ، وتحت أي ظرف ؟