حاول تقديم تعريف للعلمانية يتسم بقَدْرٍ من التركيب، ويكون ذا مقدرة تفسيرية عالية يمكنه أن يحيط بأكبر عدد ممكن من الظواهر والأفكار، حيث يفرق بين دائرتين من العلمانية تحتوي الواحدة الأخرى:
1-العلمانية الجزئية: رؤية جزئية للواقع (برجماتية- إجرائية) لا تتعامل مع أبعاده الكلية والنهائية (المعرفية) ومن ثَمَّ لا تتسم بالشُّمُول. وتذهب هذه الرؤية إلى وُجُوب فَصْل الدِّيْن عن عالم السياسة وربما الاقتصاد، وهو ما يُعَبَّرُ عنه بعبارة فَصل الدين عن الدولة، ومثل هذه الرؤية الجزئية تلتزم الصمت بشأن المجالات الأخرى من الحياة، كما إنها لا تنكر بالضرورة وجود مطلقات وكليات أخلاقية وإنسانية وربما دِينية، أو وُجود"ما ورائِيَّات"و"ميتافيزيقيا"، ولذا لا تتفرع عنها منظومات معرفية أو أخلاقية، كما إنها رؤية محددة للإنسان فهي قد تراه إنسانا طبيعيا ماديًّا في بعض جوانب حياته (رؤية الحياة العامة وحسب) لكنها تلزم الصمت فيما يتصل بالجوانب الأخرى من حياته.
وفيما يتصل بثنائية الوجود الإنساني، ومقدرة الإنسان على التجاوز، لا تسقط العلمانية الجزئية في الواحدية الطبيعية المادية، بل تترك للإنسان حيزه الإنساني يتحرك فيه كيفما يشاء.
2-العلمانية الشاملة: وهي رُؤية شاملة للعالم ذات بُعد معرفيّ (كُليّ ونهائيّ) تحاول بكل صرامة تحديد عَلاقة الدين والمطلقات والماورئيات (الميتافيزيقيا) بكل مَجَالات الحياة، وهي رُؤية عَقلانية مادية تدور في إطار المرجعية الكامنة والواحِدِيَّة المادية التي ترى أنَّ مركز الكَوْن كامن فيه غير مُفَارِق أو مُتَجَاوز له (فالعلمانية الشاملة وحدة وجود مادية) وأنَّ العالَم بأسره مكون أساسًا من مادة واحدة لا قَدَاسَة لها، ولا تحوي أية أسرار، وفي حالة حركة دائمة لا غاية لها، ولا هدف ولا تكترث بالخصوصيات، أو التفرد، أو المُطلقات، أو الثوابت، هذه المادة بحسب هذه الرؤية تشكل كُلا من الإنسان والطبيعة، فهي رؤية واحدية طبيعية مادية وتتفرع عن هذه الرؤية منظومات مَعرفية (الحواسّ والواقع المادي مصدر المعرفة، فالعالم المعطى لحواسنا يحوي داخله ما يكفي لتفسيره والتعامل معه) ، كما تتفرع عنها رؤية أخلاقية (المعرفة المادية المصدر الوحيد للأخلاق) وأخرى تاريخية (التاريخ يتبع مسارا واحدا وإن تبع مسارات مختلفة فإنه يؤدي في نهاية الأمر إلى النقطة النهائية نفسها) ورؤية للإنسان (الإنسان كجزء لا يتجزأ من الطبيعة ليست له حدود مستقلة تفصله عنها ومن ثَمَّ هُو ظاهرة بَسيطة أحادية البُعد، وهو كائن ليس له وَعْيّ مستقل غَير قَادِر على التَّجَاوُز والاختيار الأخلاقيّ الحُرّ) .
وقد أكَّدَ المؤلف أن العلمانية الجزئية مرتبطة بالمراحل الأولى لتطور العلمانية الغربية، ولكنها بمرور الزمن ومِن خلال تحقق المتتالية النماذجية العلمانية تراجعت وهُمِّشَتْ؛ إذ تَصاعدت معدلات العَلْمَنَة خاصة في العالم الغَربي، بحيث تَجاوزت مجالات الاقتصاد والسياسة والأيديولوجيا، وأصبحت العَلمنة ظاهرة اجتماعية كاسحة وتحولا بِنيويا عميقا، يتجاوز عملية فصل الدين عن الدولة، وعملية التنظيم الاجتماعي، ويتجاوز أية تعريفات مُعجمية، وأية تصورات فِكرية قاصرة محددة، فلم تعد هناك رُقعة للحياة العامة مُستقلة عن الحياة الخاصة، فالدولة العلمانية والمؤسسات التربوية والترفيهية والإعلامية وصلت إلى وِجدان الإنسان وتغلغلت أحلامه ووَجَّهَت سُلُوكَه وعَلاقاته بأعضاء أُسرته وقَوَّضَت ما تَبَقَّى من أخلاق نصرانية (مسيحية) أو حتى إنسانية.
فالعلمانية ثمرة عمليات كثيرة متداخلة بعضها ظاهر والآخر بنيوي كامن، وهي تشمل كل جوانب الحياة العامة والخاصة والظاهرة والباطنة. وقد تتم عملية العلمنة من خلال الدولة المركزية بمؤسساتها الرسمية أو من خلال قِطاع اللذة من خلال مؤسساته الخاصة أو من خِلال عَشَرَات المؤسسات الأخرى ومنه المؤسسات الدينية ذاتها، أو من المنتجات الحضارية.
الباب الثاني
تناول فيه بعض تبديات النموذج العلماني على النحو التالي:
* الفصل الأول:
قدم فيه عَرضًا مُوَسَّعًا لبعض المصطلحات التي رأى المؤلف أن لها قيمة تفسيرية عالية مثل المُطْلَق العلماني والنموذج العلماني والمتتالية النماذجية.
(1) المطلق العلماني الشامل.
فإن أي نموذج فلسفي لابد أن يكون له مركز يشكل مطلقه، وركيزة نهائية للنسق. والنماذج الفكرية العلمانية قد تنكر أية نقطة مرجعية تتجاوز هذه الدنيا، إلا أنها تستند إلى رَكيزة أساسية ومَرجعية نهائية كامنة في المادة، وهذا المُطْلَق في أقصى درجات تعميمه هو المبدأ الواحد، وقد يأخذ أشكالا كثيرة، لكنه في التحليل النهائي هو الطبيعة التي نشير إليها عادة (الطبيعة / المادة) ، ومن هنا يأتي الحديث عن الإنسان الطبيعي المادي الذي يعيش حسب قوانين الطبيعة / المادة، ويستمد منها وحدها المعرفة والقِيَم الأخلاقية والجَمَالِيَّة، بحيث أصبحت دَورة الإنسان ثُلاثية: الإنتاج في المصنع، والاستهلاك في السُّوق، واللذة في الملهى (أو أي معادل موضوعي) .
(2) اللحظة العلمانية الشاملة النماذجية.
اللحظة النماذجية هي لحظة تعين النموذج وتبلوره، وهي لحظة يفصح فيها النموذج عن جوهره ووجهه الحقيقي.
ويشير المؤلف إلى اللحظة العلمانية الشاملة النماذجية باعتبارها لحظة الصفر العلمانية حيث ترد العلمانية أصل الوجود إلى أن العالم وجد بالصدفة المحضة من مادة أولية سائلة غير مشكلة، وتتمثل نقطة النهاية أيضا في سيطرة مفاهيم المادة ومن ثم يصل إلى نقطة نهاية التاريخ وقمة التقدم والفردوس الأرضي.
* الفصل الثاني:
التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع حيث تتسم منظومة العلمانية في مراحلها الأولى بوجود صراع بين عالمين عالم متمركز حَول الذَّات الإنسانية، وآخر متمركز حول الموضوع الطبيعي / المادي، ولإلقاء مزيد من الضَّوْء على عملية الصراع هذه أورد المؤلف معالم كل نموذج وتجلياته، ثم عرض لمجموعة من التقابلات بين ثنائيات متفرعة عن عملية الصراع الرئيسية والتي تتبدى في الحضارة الغربية التي تهيمن عليها الواحدية المادية.
* الفصل الثالث: فكر حركة الاستنارة.
حيث ابتدع العقلُ الغَربيّ صُورة الاستنارة المجازية في القرن الثامن عشر، حينما كان العلم الحديث لا يزال غضًّا وليدا، فقد ساد الوهم لدى العلماء بأن العلم سينير المجهول المظلم ليصبح معلوما منيرا، وأن هذه العملية تدريجية، بمعنى أنَّ رقعة المعلوم ستتزايد على مَرّ الأيام، ورُقعة المجهول ستنكمش إلى أن تصل إلى نقطة تختفي فيها الأسرار، وتتحكم في الواقع و قوانينه، وتصلح البيئة بل ربما النفس البشرية ذاتها..
وبعد أربعة قرون من الاستنارة اكتشف الإنسان الغربي أن الأمور ليست بهذه البساطة .. فإنَّ ثمرة قُرُون طويلة من الاستنارة كانت إلى حَدّ ما مظلمة، ولذا راجع الإنسان الغربي كثيرا من أطروحاته بخصوص الاستنارة بعد أن أدرك بعض جوانبها المظلمة، وتناقضاتها الكامنة وخطورتها على الإنسان والكون. ومع هذا يقوم الفكر العلماني الغربي بنقل أطروحات الاستنارة من الغرب بكفاءة غير عادية دون أن يحور أو يعدل أو ينتقد أو يراجع.