فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 2255

وقال مفتي طرابلس الشيخ الدكتور طه الصابونجي:"... بعد الموجات المادية، والانتهاكات الأخلاقية، والأزمات النفسية، وتصدع الأسر، وفساد مناهج التربية في كل دول العالم بدأ المفكرون والمثقفون يعيدون النظر في كل الأساليب التربوية، ومن ذلك المطالبة بالتعليم الديني في كل المدارس، وبدأنا نقرأ عن اتجاهات صارمة في القوانين والبرامج التعليمية في الغرب عمومًا وفي أمريكا بالذات للعناية بالتعليم الديني، وليس بالنسبة للدين الغالب في تلك البلاد فقط، بل أيضًا بالنسبة للتعليم الديني الخاص بكل مجموعة دينية تعيش في أمريكا وأوروبا..) (6) ."

وبعد هذا نستطيع أن نقول:"الناس أعداء ما جهلوا، في الوقت الذي بدأ فيه الغرب يعترف بـ (طب القلوب) لا زال كثير من السياسيين والمفكرين والمثقفين في العالم الثالث والمسؤولين عن حماية الوطن من السقوط ووقاية الشعب من الانحراف يعادون هذا الطب المتقدم معاداة يصعب فهمها، واعتباره نوعًا من التخلف!"

قد يقول ثالث: إنَّ عدم مواكبة العالم بالتقنية، ويقول رابع: إنَّ عدم مسايرة التكنولوجيا الفضائية، فالأول يسرع عملية السقوط، والثاني يدور عجلة النهاية، فالذي قال عن الانترنت:"... سنشهد حالة مشابهة لما شهدناه في هذا العقد في مجال البث التلفزيوني إذ لن تنفع معه قوانين منع استخدام الصحون اللاقطة أو تهديد من يشاهد محطات الآخرين، كلها أفكار تهاوت بسرعة أمام حقائق العلم الجديد" (7) .

نفس هذا الكاتب قال عن القنبلة النووية الباكستانية:".. إنَّ السوفييت لديها تقنية عسكرية عالية، وتملك ترسانة ضخمة من الأسلحة الهيدروجينية، ومع ذلك سقطت؛ لأن نظامها الاجتماعي أفقدها توازنها، ففي الوقت الذي تمتلئ أرفُف مستودعاتها بالقنابل الهيدروجينية تخلو أرفف بقالاتها من الخبز! فلذا تهاوت وسقطت".

فالذي أسقطها يا أستاذ في الهاوية هو تحكمها في حاجيات الإنسان الضرورية الفطرية والروحية لا الأسلحة المتطورة، فهذا دليل على أن ليست التقنية ذاتها مانعة من الوقوع في الهاوية، وشاهد على أن ليس التطور التكنولوجي وحده قادر على حماية الدولة من السقوط، فاحترام حاجة الإنسان القلبية والنفسية والروحية هي الواقي من السقوط، كما قال تعالى: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] .

فهل التقنية المفسدة للأخلاق من العمل الصالح الذي يترتب عليه الاستخلاف والأمن؟

وتوفير هذه الحاجات هي المانع من الوقوع في الهاوية، كما قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .

فهل التطور والتقدم في الفضائيات الماحقة للدين، والماحية للحياء من شكر النعم؟ أم من الكفر بالنعم؟

وممن أدرك مفعول هذه الفضائيات وخطرها وأن مفعولها أقوى من مفعول التردي في السياسة والسياسة المتخلفة في إسقاط الدولة والإخلال بالأمن وخلخلة الأمان: الدكتور طه الصابونجي مفتي طرابلس حيث قال:"إنَّ الأمر لم يعد من الممكن السكوت عنه ولا تجاهله؛ لأن ذلك يتصل أساسًا بسلامة البناء النفسي والاجتماعي الذي تقوم عليه حياة البشر وسلامة الأوطان، وإذا كان البعض قد حول أجهزة محطات التلفزيون إلى مواخير سيارة، وإلى كباريهات فاجرة تقتحم البيوت، وتهدم الأخلاق، وتلوث الفضائل، وتثير الرذائل وتزدري جسد المرأة، وتحولها إلى أداة للاستغلال التجاري والإسفاف، فإنَّ ما ينتظر لبنان من وراء هذا المجون أخطر من الأزمات السياسية التي مر بها.." (8) .

ومما يدل على أن تلبية حاجة المجتمع المعنوية من أكبر دعائم استقرار الدولة، وأن استقرارها يكمن بالمعنويات أكثر من الماديات، وأن من أكبر المعنويات الدين: مقولة هرقل ملك الروم لأبي سفيان بن حرب:"سألتك بما يأمركم هذا النبي؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا اللَّه وحده ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف - والنتيجة - فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدميَّ هاتين" (9) .

وإذا كان هذا اعترافًا قديمًا من عظيم من عظمائهم بالأمور المعنوية - وأكبرها الدين - وقوة تأثيره في السيطرة، فهناك شهادة معاصرة، قال برناردشو:"إنَّ محمدًا أصلح العالم وهو جالس يشرب قهوة في المدينة".

وقال صامويل هنتغتون المفكر الأمريكي في إحدى محاضراته:"لا آدم سميث ولا توماس جيفرسون سيفيان بالاحتياجات النفسية والعاطفية والأخلاقية للإنسان، ولا المسيح سيفي بها على المدى الطويل، محمد سينتصر".

فهل تعترف يا أستاذ بأن المعنويات سلاحها أقوى من الترتيبات السياسية بعد أن اعترف هؤلاء؟ وكما اعترف الدكتور بالطب الشعبي بعد اعتراف هؤلاء به، وكما اعترفت بنت الشيخ المراغي - شيخ الأزهر - بعبقريات العقاد، فقد كانت مسافرة مع أبيها فصادفت في تلك الرحلة امرأة من (الخواجات) فراحت تذكر لابنة الشيخ إعجابها بالعقاد، وخصوصًا"العبقريات"، وهنا راحت ابنة الشيخ تطلب العبقريات من أبيها فقال الشيخ بحسرة: (أنا شيخ الأزهر، وابنتي لم تسمع لي، وسبق أن كلمتها عن العقاد وكتبه، فلما حدثتها الخواجة استمعت لها وصدقتها!". ثم عقب بألم ومرارة قائلًا:"يبدو أننا لن نؤمن ولن نصدق بالإسلام إلا إذا آمن الخواجة به"."

اللَّه سبحانه وتعالى أمر المسلمين إذا داهم ديارهم عدو بمقاتلته وأوجب عليهم الاستنفار من أجل حماية أوطانهم، وذلك بالنفس والنفيس، فلا يلجئون إلى الصلح إلا بعد أن يتبين لهم أنه لا جدوى مع هذا العدو، وأن الصلح معه أقل ضررًا وأخف مفسدة من مواجهته والوقوف في وجهه، فهنا تأتي قاعدة ارتكاب أخف الضررين، ولا بد من النظر في قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) لكن لا يؤخذ بهذه القاعدة إلا تحت مظلة قاعدة (الضرورات تُقَدَّر بقدرها) ، فيجب إخضاع المحظور لهذه القاعدة، وإن السماح للممنوع يلزم أن يكون تحت مظلتها، إذ لا بد من الحظر على المحظور والمنع من الممنوع؛ فإن انقلب الحظر إلى ضرر أكبر من الضرر الذي من أجله شرع الحظر، وتحول المنع إلى مفسدة أعظم؛ فهنا يجب الأخذ بقاعدة (ارتكاب أخف الضررين) وقاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) ، لكن يجب أن يكون الأخذ بقدر الضرورة فقط، ولا يتجاوز المبيح من المحظور مقدار الضرورة، فإذا كان الدكتور يرى عدم فتح الباب على مصراعيه تجاه ما كان الغالب فيه المصلحة - كالحاسب - وإدخاله في بعض الإدارات على حساب قانون التقليل من البطالة، فما بال ما كان الغالب عليه المفسدة - الفضائيات والإنترنت وغيرها - ؟! وإذا كان الأستاذ يستنكر على الباكستان في ما كان الأصل فيه عدم المنع - كالتسلح - والمبالغة في الإنفاق عليه على حساب الأشياء الضرورية، فما بال ما كان الغالب عليه المنع - الانترنت والفضائيات وغيرها - ؟!

5/6/1420هـ

(1) أخرجه الترمذي (3451) من رو اية طلحة وقال الترمذي"حسن غريب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت