بل قد يصل الأمر إلى تقديم كلامهم وما جاء عنهم على كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيه S ويؤخذ منهم الحلال والحرام والشريعة والنهج والطريقة والسُنَّة حتى يصل بالبعض أن يجعل قدوته في صعلوك من صعاليكهم، ويخجل كل الخجل أن يراه أحد وهو متلبس بسُنَّة من سُنَّن النَّبِيّ S، إن الأمر جِدُّ خطير فلقد ألغى بعض المنتسبين للإسلام عقولهم وأصبحوا بلا عزيمة ولا إرادة وأصبح كل الذى يأتى عن هؤلاء اليهود والنصارى هو رمز القوة والحضارة والمدنية والتقدم.
فيجب على الأمة الإسلامية أن تفيق من عُقُولِها وأن تستيقظ من نومها بل وإن صح التعبير (أن تحيا من موتتها) فبعض المسلمين -والعياذ بالله- لا يحتاجون إلى الاستيقاظ بل يحتاجون إلى بعث؛ فالاستيقاظ يكون من الحياة أما البعث فيكون من الموت وبعضهم أموات غير أحياء؛ أموات ولكن في هيئة الأحياء!.
لابد من تدارك الموقف قبل فوات الأوان، لابد من تضافر الجهود من العلماء وولاة الأمور ومن طلاب العلم والدعاة إلى الله ومن أصحاب الكلمة وأصحاب الأقلام؛ فالكل مسئول والكل على ثغر من ثغور الإسلام، فَاللهَ اللهَ أن يُؤتى الإسلام من ثغر أحدنا.
وقد يظن ظَانٌّ أنني أدعو إلى انعزال المسلمين عن غيرهم من الأمم والشعوب، وهذا مالم أَرِدْهُ؛ فإن المسلمين لن يعيشوا بمعزل عن العالم بل لا بد لكل أمة من الاحتكاك بغيرها من الأمم فتأخذ وتعطى، ورفض الانفتاح على الحضارات الأخرى موقف ضار لأمتنا حضاريًا -خاصة في هذه الأيام- فضلًا عن أنه غير ممكن في ظل ثورة الاتصال التي تزداد فعالياتها يومًا بعد يوم.
والتواصل الحضارى يجب أن يبرأ من التبعية والذوبان، فهناك حضارة الصين وحضارة الهند والحضارة الغربية وكلها متاخمة للمسلمين فليس ثمَّ انعزال وانغلاق على النفس وإلا سيكون الموت الحضارى.
ولكن غاية ما في الأمر هو أننى أود أن أنبه على أن احتكاك الحضارات المتمايزة ينشأ عنه قضية الموروث والوافد، فأيهما نقدم وأيهما نؤخر، فقد انقسم الناس من موقف الانفتاح على الحضارة الغربية إلى ثلاثة أقسام:
الأول: يشكك في جدوى أي انفتاح على الحضارات الأخرى أو يستلهم منها ما هو مُفِيدٌ ومُجْدٍ للأمة الإسلامية، كما يوجب الاحتفاظ بالموروث الذى يجعل من الاجتهاد جريمة يعاقب عليها باسم الشرع.
الثانى: يشكك في قدرة الإسلام في مسايرة ركب الحضارة فضلًا عن اللحوق به وهذا التيار يعظم من قيمة الحضارات الوافدة ويحاكيها في كل شيء فكان أن دعا إلى أن نفكر كما يفكر الأوروبيون ونحيا كما يحيا الأوروبيون، نُصيب كما يُصيبون، بل ونُخطئ كما يُخطئون إلى آخر مقولات تيار التغريب .
الثالث: وهو موقف الوسط الذى ندعو إليه وهو استلهام ما كان نافعًا من الحضارات الأخرى دون التأثير على الشخصية الإسلامية، فهناك فرق بين التمايز الحضارى والتبعية الحضارية، ونضرب أمثلة لموقفنا هذا من حياة النَّبِيّ S:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ S [6] : «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلا يَضُرُّ أَوْلادَهُمْ» .
أي: جماع المرضع أو الحامل، وكانت العرب يحترزون عنها ويزعمون أنها تضر الولد وهو من المشهورات الذائعة بينهم حتى ذكر S أن فارس و الروم يصنعون ذلك ويجامعون المرضع والحامل فلا يضر أولادهم فلو كان الجماع أو الإرضاع حال الحمل مضرًا لضر أولاد فارس والروم لأنهم يفعلونه مع كثرة الأطباء فيهم.
فالنَّبِيّ S ينظر بعين الخبير إلى أحوال الأمم ويأخذ العبرة والخبرة من أحوال غيره، فليس ثمَّ مانع من النظر إلى أحوال الغرب ولا سيما المستقرة منها والتي تعود على المسلمين بالخير ونقلها إلى بلادهم، والاستفادة بها في حياتهم!.
وقد أثبت العلماء من هذا الحديث أن للنَّبِى S اجتهادًا خاصًا به، إن كان صوابًا أقره الله عليه، وإن كان خلاف ذلك نزل الوحى بتصحيح الأوضاع، والتوجيه إلى ما هو أحسن من السياسات والقرارات، ونظْرة العلماء هذه تدعم موقفنا.
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ [7] : (لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ S أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ كِتَابًا قَالُوا: إِنَّهُمْ لا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا قَالَ: فَاتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ S خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ؛ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ S نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) فالنَّبِيّ S لم يأبَ هذا الخاتم بل قبله؛ لأنه ليس هناك تأثير على دين الله بل هو من الأمور التنظيمية التي دعا إليها الدين، فلا غضاضة من الاستفادة من فارس أو الروم ما دام دين الله في مأمن وحياة المسلمين تسير إلى أحسن!.
ويمكن أن ننظر إلى هذه القضية أيضًا من خلال الأحكام الشرعية، فقد قسم العلماء الأحكام الشرعية إلى خمسة أحكام؛ الواجب، والمندوب، والمحرم، والمكروه، والمباح، فالأربعة الأولى لا سبيل لنا عليها؛ وهى من الأصول التي لا تقبل الأخذ والعطاء، أم المباح فهو الذى يبدع فيه الإنسان ويجتهد في الدنيا ليصل إلى أرقى مستوى فيه، وهذا عين ما قاله النَّبِيّ S للصحابة في تأبير النخل، أنتم أعلم بأمور دنياكم، فإن كلامه كان من قبيل المباح والخبرة التي أمرنا بالاجتهاد فيها، فتيار الوسط التجديدى هذا يسعى إلى الاحتفاظ بالدين كمنهج حياة والسعى للرقى بالحياة الدنيا في منظومة متوافقة الأطراف، ونقل ما تدعو إليه حاجة المسلمين من الغرب؛ ليرتقوا حضاريًا ويرتفعوا إلى مصاف الدول المتقدمة، وبتعبير آخر الحفاظ على الأصالة النقية، وجلب المعاصرة النافعة للمسلمين.
وليس معنى كلامى هذا -من وجه آخر- أننى أدافع عن موروث الحضارة الإسلامية كاملًا، فهناك موروث الزهد والتواكل الذى قد يصل إلى حد العزوف عن الدنيا وهناك موروث الصوفية الذى قد يصل إلى تعذيب الجسد تقربًا إلى الله، فهذا موروث مرفوض لأنه باختصار مخالف لمنهج النَّبِيّ S وخير الهدى؛ هدى محمد S وعلى هذا المنهج لا نقبل كل الوافد أيضًا فيجب أن نُمسك بمصفاة الإسلام التي تسمح لما هو خير أن ينفذ إلى واقعنا وحياتنا وتمنع كل شر أن يتغلغل إلى مجتمعنا فتسمح للعلوم الطبيعية من فيزياء وكيمياء ورياضة وفلك وتقدم علمى وتقنى.. إلخ بالنفاذ مالم تخالف شريعة الإسلام، وتمنع العلوم الإنسانية من فلسفة وقانون واجتماع من التغلغل في مجتمعنا.
وعلى سبيل المثال في القضايا التي لا نقبلها من الوافد قضية حقوق الإنسان بالمعنى والمفهوم الغربى، وقضية المساواة بين الرجل والمرأة، وقضية الحريات المطلقة، وقضية رفض تعدد الزوجات.
ومن الأشياء التي نقبلها من الحضارة الوافدة؛ التقنيات الحديثة في وسائل المواصلات والاتصال، والحاسبات، والمخترعات...إلخ.
فبهذا الانتقاء ندعو إلى وسطية إسلامية واعية، ليست بالمعنى المظلوم الذى شاع بين الناس من انعدام الوضوح وافتقاد المواقف المحددة واللعب على مختلف الحبال، وإمساك العصا من منتصفها.. إلخ، وإنما نعنى المفهوم الإسلامى للأمة الوسط والموقف الوسط الذى هو عدل بين ظلمين وحق بين باطلين واعتدال بين تطرفين ليس بالمعنى الأرسطى الذى يجعل الفضيلة وسطًا بين رذيلتين متصورًا وجود مسافة عن يمين الفضيلة وعن يسارها متساوية تفصل بينها وبينهما، وإنما بمعنى اشتمال الموقف الوسط على محاسن القطبين النقيضين التي يمكن جمعها والتأليف بينها.