والقوم بدعوتهم للتسامح والتغافر والتجاوز عن الإساءة يلملمون ما تبقى من مشروعهم الخاسر التقارب والتقريب بين المسلم والكافر تحت شعارات التعايش والتسامح والسلام ، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مخطط إلغاء عقيدة الولاء والبراء ، وهم معذورون فيما يفعلون فالخطب جلل ، والأمر عظيم ، والأحداث تجري على خلاف الهوى والمخطط ، فليس لهم إلا هذا المركب الصعب ليركبوه ولعل وعسى ، لقد ظهر للجميع حقيقة حال (الآخر) ! منا ، واستبان للناس مدى الاحترام الذي تكنه صدروهم وقلوبهم لنا ولديننا ، وأن الأحقاد الصليبية لا تزال تتسكع على الجسد الأوروبي ، وأن النظرة السلبية للمسلمين لا زالت المسيطرة على المشهد الغربي ، وأنهم لا زالوا يعانون من عقدة (الإسلامافوبيا) ، وأقوال عقلائهم ومنصفيهم شاهدة بهذا وما أكثرها، وتاريخ الأمة السابق وواقعها المعاش خير شاهد ، وإن تغافل عن هذا كله المستغربون ولجوا وجعجعوا ، بالله عليكم أي حقد وبغض أظهر مما وقع وجرى حيال نبي أمة المليار مسلم ، وأي طعنة أنفذ وأنكى من هذه الطعنة ، وأي إهانة وصفعة وركلة أشد من هذه الإهانة ، ثم يكبر على أولئك الظالمين بعد هذا كله أن يقدموا كلمة (اعتذار) ، فكيف بما فوقه ، وقد اتضح للجميع أن مقام نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده لا تساوى عندهم شيئا في مقابل حقهم -المزعوم- في ممارسة حرية التعبير ، وإن فيما نرى من تسارع محموم لنشر صور الإفك هذه ، وذلك التعاضد والتناصر الذي يُرى ، والتصريحات العدائية التي نتلقاها عن اليمين والشمال لدلالة على أن الأمر أكبر مما نظن ، وأنه أوسع دائرة مما نحسب ، وصدق الله القائل (قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) ، ولكن أصحابنا من دعاة التسامح لا يعقلون.
من غرائب المواقف المثبَتَة على هذا التيار تبرير ما وقع من اعتداء ، والاعتذار عما حصل من إساءة ، والمدافعة عن المجرمين المعتدين ، في محاولة لامتصاص الغضب والتهدئة ، وذلك بمختلف التبريرات ، وأنواع الاعتذارات ، فبعضهم1 يصرح بأن المسلمين هم السبب فيما وقع ، على قاعدة (لعن الله من لعن والديه ، يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أم الرجل فيسب أمه) ! ، فما وقع من اعتداء على جناب النبي صلى الله عليه وسلم حلقة في سلسلة من الاعتداء المتبادل والذي انتهى إلى ما انتهى إليه ، هكذا والله يسطرون ، وهكذا يحملون أهل الإسلام تبعة ما جرى ، ويجري ، وكأنهم ليسوا منا ، وكأنهم الناطق الرسمي باسم المعتدين ، إنهم بمنطقهم الغريب هذا يقلبون الطاولة على أهل الإسلام فيجعلونهم معتدِين بعد أن كانوا مُعتدَى عليهم ، ويُظهرونهم في مظهر الظالم بدل أن يكونوا مظلومين ، و (البادي أظلم) ! ، إن الدعاوى من أسهل الأمور ، ووضع السيناريو على حسب المزاج من أيسر الأشياء ، لكن الصعب تقديم الأدلة ، ووضع البراهين ، وسياق الحجج ، وإلا فليخبرونا عن هذا المسلسل المزعوم في الدنمارك والذي أدى إلى ما نرى ونسمع ، متى ابتدأ ، وكيف كانت حلقاته ، وأين محال الاعتداء من الطرف الإسلامي والذي استفز مخالفيه فقالوا ما قالوا ، وأقدموا على ما أقدموا عليه ، فإن عجزوا وخرجوا من هذه صفرا -وإنهم لخارجون بها- فسقطة تستدعي تراجعا وأوبة ، ولا يخفى أن المسألة أعمق غورا من مجرد التهارج والجهل بين فئات محدودة من هنا وهناك كما يظهر لكل ناظر في مسلسل الأحداث.
والقوم في دفاعهم المشبوه هذا يذهبون إلى أبعد من هذا في تحميل المسلمين مسؤولية الأحداث ، وأن السبب في استفحال الأمر عدم كفاءة القيادات الإسلامية بالدنمارك في معالجة المشكلة بالأساليب القانونية ، وفشلهم في رفع الدعاوى القضائية2 ، وكأن المسكين لا يعلم أن المسلمين هناك قد بذلوا الجهد في إيصال صوتهم لكنهم قوبلوا بالغطرسة والعنجهية الدنماركية ، هذه الغطرسة التي تأبى على القوم تقديم الاعتذار الصريح مع التصعيد الحاصل فكيف ولمّا يتم التصعيد ، إن طلب المسلمين -يا أستاذ- برفع القضية قد رفض ، بل رفض رئيس الوزراء الدنماركي استقبال السفراء العرب ، لقد سدت الأبواب ، وأغقلت المنافذ ، وهمش المسلمون ، فكيف يحملون تبعة هذه الجريمة يا فهيم.
وأطرف من هذا وأغرب ما سطره آخر زاعما أن جميع ما يرى من أحداث إنما هو بتدبير جماعات ذات صلة بتنظيم (القاعدة) ! إي والله! ، وذلك لتعكير أجواء الصفاء بين العالم الإسلامي والعالم الغربي ، ولئلا يقال متقول أو مفتر أسوق هذا النص لأحدهم بحروفه يقول: (وتقول مصادر مخابرات أوروبية ، وبلد إسلامي أفريقي أنها حذرت بلدانا إسلامية من خطة يدبرها «ناشطون دنماركيون» مع «منظمات سرية» يحتمل اختراقها من القاعدة ، تهدف لصدام بين الغرب والمسلمين، وهو من أهداف زعماء الإرهاب، أسامة بن لادن وأيمن الظواهري ، وبدلا من أن تأمر الحكومات الإسلامية مخابراتها بالتحقيق في مصادر تمويل حملة «أئمة كوبنهاجن» وصلاتهم والإخوان والطالبان وجماعات تخريب أخرى تعمل في الظلام، استغل بعضها الأزمة لصالح أجندتهم السياسية) 3 ، أرأيتم كيف يتم الاستغفال ، وتمرر الأكاذيب ، وتنشر الشائعات ، ألم أقل لكم إن الخطب جلل ، وإن الأمر صعب ، وإن الأحداث قد آذت أهل هذا التيار ، فولجوا هذا السبيل ، وسلكوا هذا الطريق ، لعلهم يثورون في سماء الحقيقة الغبار ، أو يغطوا شمسها عن الأبصار ، لكن للناس عقول ، ولعل عقول القوم في إجازة.