يبدو أن الاعتداء المادي لم يعد كافيا في عصر ما بعد سبتمبر، إذ لجأت الدول المتقدمة إلى استخدام السلاح القديم الذي ثبتت فاعليته، وهو الاعتداء المعنوي، والذي تزيد به فرص الانتصار على الخصم، فالاعتداء المعنوي يضعف ثقة الخصم بنفسه ويثبط همته، كما انه يقلل من انتصاره، فيصبح ضحية أسهل مما كان.
ويذكر الدكتور جلال أمين في كتابه «عصر التشهير بالعرب والمسلمين، نحن والعالم بعد 11 سبتمبر 2001» والصادر حديثا عن مكتبة الأسرة بالقاهرة أن العرب والمسلمين تعرضوا لحملات من التحقير والاعتداء المعنوي، وأضيفت إلى ذلك في الخمسين عاما الماضية، حملات التشهير المستمرة من جانب الصهاينة وأبواق الدعاية الإسرائيلية والعاملين في خدمتها، واستمر ذلك من دون انقطاع منذ إعلان الدولة الإسرائيلية منذ نحو نصف قرن، ثم حدث في السنوات الأخيرة ما ضاعف هذا التشهير، وزاد هذه الحملات قسوة وضراوة خاصة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، فأصبح العرب والمسلمون أكثر شعوب العالم تعرضا لحملات تشويه السمعة والاعتداء المعنوي، وهى حملات في رأي المؤلف لا تستهدف إلا تسهيل أهداف اقتصادية وسياسية منبتة الصلة بما تدور حوله حملات التشهير، كانعدام الصلة مثلا بين مضاعفة الأرباح من استغلال النفط العربي وبين وجود الديمقراطية أو عدمها في البلاد العربية، فضلا عن أهداف المشروع الصهيوني، وهى بدورها أهداف منبتة الصلة بما يقال في الإساءة إلى سمعة العرب كانعدام الصلة مثلا بين الرغبة في طرد المزيد من الفلسطينيين من أراضيهم وبين ما إذا كان مركز المرأة في الإسلام أفضل أو أسوأ منه في الأديان الأخرى.
يلاحظ أمين انه منذ 11 سبتمبر 2001، وكثير من الناس يقبلون الكثير مما تردده وسائل الإعلام عن الحادث وعن المتهمين بارتكابه وأهدافهم من ورائه، على الرغم من أن جزءا كبيرا مما تقوله وسائل الإعلام يتعارض تعارضا صارخا مع المنطق السليم، بل ومع بعض البديهيات، فيلاحظ أن هذا الاستعداد للتسليم بما يتعارض مع البديهيات لا يستثنى منه حتى عقلاء الناس ومثقفوهم، مشيرا إلى انه رأى من بين هؤلاء مثلا من يقبل كثيرا مما يقال عن أسامة بن لادن مما يصعب أن يقبله العقل في رأيه، وكذلك عن هوية الأشخاص الذين تنسب إليهم عملية تفجير البرجين في نيويورك ووزارة الدفاع في واشنطن وما يقال عن أهدافهم من هذه العملية، مع الفارق الشاسع بين ما يتطلبه هذا الحادث من قدرات وبين القدرات المتاحة لهؤلاء الأشخاص.
كما يلاحظ أمين أشياء مماثلة في موقف كثير من الناس من الأحداث في العراق، حيث وجدهم يصدقون الكثير مما يقال ويصعب تصديقه، عن موقف صدام حسين ودوره، وعن علاقته بالولايات المتحدة، وعن أهداف الإدارة الأميركية من الاعتداء.
وفي الحالتين كان هؤلاء الذين يصدقون ممن يجلسون أمام شاشة التليفزيون ساعات طويلة ويستمعون إلى مختلف القنوات الفضائية وغير الفضائية ولا يفوتهم تعليق أو تصريح نشرته الصحف ولا أي تفاصيل مهما كانت صغيرة، تتعلق بما يدور من أحداث، هذا الموقف يوضح لجلال أمين أننا لا زلنا نتعامل مع ما يرد إلينا من معلومات كأنها في الأساس محايدة خالية من التحيز، ونميل إلى التمييز بأكثر مما ينبغي، بين التعليق الذي نعرف انه قد يكون متحيزا وبين المعلومة التي نعاملها وكأنها محايدة والخطر هنا من استخدام وسائل الإعلام كما يتصوره أمين ليس هو مجرد أن يؤدي بالناس إلى اعتناق أفكار خاطئة ولكنه يصل إلى حد تشكيل عواطف الناس وتوجه هذه العواطف في الاتجاه الذي يحقق مصالح المسيطرين على هذه الوسائل، فإذا أضفنا إلى هذا ما أصبحت تتسم به وسائل الإعلام من درجة لا يستهان بها من احتكار وان هناك تداخلا بين هذه الشبكات التلفزيونية، على قلتها يجعلها تكاد تعبر عن نفس الاتجاه وتصب في نفس المصالح فان الخطر الذي يتعرض له مشاهدو التليفزيون، بل وقراء الصحف والمجلات بدرجة متزايدة مع تزايد درجة الاحتكار في ملكيتها أصبح خطرا في رأيه شديدا إذا أصبح هؤلاء المشاهدون والقراء (محكومين) في تحديد اتجاه عواطفهم ودرجة التهاب هذه العواطف بما يناسب المسيطرين على هذه المصالح ويحقق أهدافهم.
أن ما حدث، والكلام هنا لامين، من اعتداء على العراق لم يحدث فقط بالمدافع والبنادق والدبابات بل حدث أيضًا بأجهزة التصوير ووسائل مندوبي التليفزيون والصحف ووكالات الأنباء والقتل المادي الذي جرى لآلاف العراقيين لا يقل عنه ظلما وقسوة القتل النفس الذي جرى لملايين من العرب والمسلمين في العراق وخارج العراق، وقد اصطلح على تسمية الوسائل التي تم بها هذا النوع الثاني من القتل بوسائل الإعلام وهى تسمية لا تقل في درجة تضليلها عما تبثه من سموم.
لكن يبدو أن عملية التغيير التي تحدث لا تتوقف عند أجهزة الإعلام، حيث يشير أمين إلى انه لم تمض أكثر من أيام معدودة على احتلال الأميركيين للعراق حتى أعلن مسؤولون في الإدارة الأميركية عزمهم على تغيير مناهج التعليم في العراق ومراجعة الكتب المقررة على الطلاب كتابا كتابا لحذف منها ما لا يجوز ووضع أشياء أخرى محلها، بل وقيل أن الولايات المتحدة ستقوم بنفسها بإعداد وطبع بعض الكتب وتوزيعها على التلاميذ العراقيين هدية منها إليهم.
ولم يكن غريبا في اعتقاد أمين أن ينهض في بلادنا من الكتاب والمعلقين من يقول بان هذه الأهداف الأميركية من إصلاح نظام التعليم في العراق والبلاد العربية الأخرى هي نفسها أهداف للمصلحين العرب ولا يهم في الحقيقة ما إذا كانت الدعوة إلى الإصلاح تأتي من هنا أو هناك طالما أن الهدف واحد مشيرا إلى أنه كان هناك بعض المحتجين الذين رفعوا أشعار «بيدي لا بيد عمرو» قاصدين بهذا انه إذا فرض أن كان التغيير ضروريا فدعنا نقوم نحن به لا غيرنا فهذا شأننا ولا يجب أن يكون شأن أحد سوانا.
ويقول المؤلف أن إصلاح التعليم شأن داخلي لكن الأخطر من هذا أن التغيرات المزمع تنفيذها لا علاقة لها بالإصلاح أصلًا بل هي في حقيقتها اقرب إلى الإفساد منها إلى الإصلاح وهو بالطبع ما يجب أن نتوقعه ولا نتوقع شيئا غيره والزعم بغير ذلك في رأيه خداع كريه كان المفروض أن يكون واضحا كالشمس.
ويعتقد أمين انه ليس هناك عاقل يمكن أن يصدق الزعم بان من بين الأهداف التي تهتم الإدارة الأميركية بها إزالة الإشارات التي تنطوي على تقديس حاكم بعينه أو المبالغة في تمجيده فالعالم الثالث مليء منذ ما يقرب من نصف قرن بالأمثلة على نظم وحكومات موالية للولايات المتحدة وتتمتع برضائها ومباركتها وغارقة حتى قمة رأسها في مختلف أساليب تقديس الحاكم، وأي بادرة لإصلاح هذا الخلل أو تنبيه إلى ضرورة التخلي عنه أو الزعم بان طريقة التعليم تشجع على التعصب وتخلقان من التلميذ شخصا سهل القيادة ويجعله فريسة سهلة للحركات الدينية المتطرفة مما يجعل هذه المنطقة معمل تفريخ للإرهاب فانه يثير في رأي أمين كثيرا من المشكلات المنطقية فالمهم في نظر الأميركيين ليس هو الانقياد أو عدمه ولكن موضوع الانقياد ووجهته، فإذا استطاعوا أن يضعوا نظاما للتعليم يجعل العرب أكثر استعدادا للانقياد للسياسة والإدارة الأميركية وأكثر قبولا للتصالح مع إسرائيل ونسيان محنة الفلسطينيين والسكوت على طريقة إسرائيل في إرهابهم فلابد أنهم سوف يفضلون هذا النظام من نظم التعليم على نظام آخر يجعل العرب أكثر استقلالا في الرأي وأكثر حرية في الفكر وأكثر ممارسة لمكلة النقد.