فمن ناحية الأصل الأول يتبين أن ما يسمى الحضارة الإنسانية إنما هو حيلة يستخدمها الغربي ليتخذ ( من حضارته محورا ثابتا يدور من حوله التاريخ ، ومن حضارته الشمسَ المركزية التي منها ينتشر الضوء على كل الوجود ، محاولا أن يوهمنا أن تاريخا بعيدا حافلا بالأحداث ممتدا إلى عدة آلاف من السنين كتاريخ مصر أو الصين أو { الإسلام } يمكن أن يركز ويضغط في بضعة حوادث عارضة مشتتة ، بينما تاريخ قريب تافه الأحداث لا يكاد يمتد إلى عشرات قليلة من السنين كتاريخ نابليون ينتفخ ويتضخم كما تتضخم الأشباح فيبدو أحفل من التاريخ الأول بمرات و مرات )
أجل من حق هذا الغربي أن يهتم بتاريخه ولكن ليس من حقه أن يقيم على أساسه صورة للتاريخ العام يصدرها إلينا في برامجنا التعليمية والثقافية ، كما أنه ليس من حقنا نحن أن نبتلع أكاذيبه لمجرد انه يتربع على عرش القوة في العصر الحاضر
وقد ترتب على أكذوبة الحضارة الإنسانية أكذوبة أخرى ناتجة عنها: تلك هي القول بأن التاريخ العام يسير على خط أفقي ممتد يمثل"إنسانية"واحدة تتقدم باستمرار ، وقد حرص التغريبيون عندنا على دس هذه الأكذوبة في نسيج الثقافة العامة في البلاد العربية والإسلامية ليسهل عليهم بعد ذلك إقصاء الذاتية الإسلامية وإخراجها من مسار التاريخ والمجتمع والحضارة معا ، ، وفي هذا التيار انساق نفر من هؤلاء إلى الزعم بما أطلقوه من صياغات حالمة عن"تقدم الإنسانية"و"التطور"و"التنوير"و"حرية الشعوب"و"السيطرة على الطبيعة"والحداثة إلخ ص 98
ويدحض اشبنجلر هذه المزاعم بتقرير ما هو محل اتفاق من أن الحضارة ككل وجود حيوي:"كائن عضوي في زمانه وصورته ومدة حياته ، فلا يشك أحد أن شجرة من البلوط مثلا بعد أن بلغت من العمر ألف سنة فإنه لا يمكن أن تبدأ اليوم نفس النمو الذي بدأت به يوم أن نبتت"لابد للكائن العضوي من حد عنده يقف النمو ، وهذا الحد يتوقف على الصورة الباطنة"الذاتية"للنبات أو الحيوان ، أو التاريخ أو الحضارة ، الأمر الذي لا يسمح بالقول بحضارة إنسانية تستمر في سيرها في خط أفقي ممتد وتاريخ عام ، ص 99 وكما يقول جيتة"الإنسانية ؟ كلمة مجردة ، فلم يوجد مطلقا في يوم من الأيام إلا الناس ، ولن يوجد مطلقا غير الناس"
ومن هنا ينتهي اشبنجلر إلى خصوصية الحضارة ، أية حضارة ، وكونها كائنا عضويا ينتهي عند أجل ، و يضع مكان الصورة العامة للتاريخ مسرحا لعدد كبير من الحضارات العظمى ، تنمو كل منها بقوة كونية وروح خاصة ذاتية زرعت في بطن بيئتها التي هي بمثابة الأم لها ، وترتبط كل واحدة منها بهذه الروح من حيث ما سيكون لها طوال مدة وجودها من تنوع في الفكر أو العلم أو العاطفة أو الفن أو الحياة أو الإرادة أو الشعور ، ومن نضج أو ذبول ، ومن نمو وشيخوخة ، وموت أو فناء ص 100 .
هذه الدورة التي تمر بها الحضارة الغربية كما تمر بها كل حضارة وكما يمر بها كل كائن عضوي .. دورة مقفلة لا ارتباط بينها وبين الدائرة الأخرى التي توجد بجوارها أو التي وجدت بعدها أو قبلها ، فليس هناك تأثير متبادل حقيقي بأن يأخذ الكائن الحي شيئا أجنبيا عنه فيدخله في كيانه كما هو بل لابد له إذا كان يريد أن يأخذ شيئا من الخارج أن يحيله إلى طبيعته هو بأن يتمثله ثم يهضمه ، أو بأن يبدعه من جديد ، لأن طبيعة الكائن الحي تختلف عن الآخر كل الاختلاف . ص 127 ، وما يشاهد من تشابه في أسلوب التعبير عن حضارتين مختلفتين إنما هو وهم ، وتشابه في الظاهر، لا يتعدى إلى الجوهر ، لأن كل حضارة تعبير عن روح ، والروح تختلف بين الحضارة والحضارة الأخرى تمام الاختلاف: في جوهرها وأسلوبها وممكنات وجودها ص 128 . فإذا اشتركت العناصر المؤثرة في حضارتين تقبلت كل منهما هذه العناصر على نحو مباين كل المباينة للنحو الذي عليه تتقبل الحضارة الأخرى هذه العناصر، لأن كلا منهما لا تستطيع أن تهضم هذه العناصر إلا إذا أجرت عليها عملية معقدة طويلة من التحويل ثم التمثيل ثم الهضم أحالتها إلى طبيعتها ص 128 . أي أن تجري عليه الكثير من التغيير مما يجعله يفقد روحه الأصلية( وكلما ازداد تمجيد المرء لمبادئ فكر أجنبي ازداد تشويهه لمعناه . فبين أرسطو عند اليونان وأرسطو عند العرب وأرسطو عند القوط في العصور الوسطى فارق لا حد له حتى لا يكاد المرء يجد فكرة واحدة مشتركة حقا بين هذه الصور الثلاث لأرسطو .
وبين المسيحية الشرقية والمسيحية الغربية هوة سحيقة من غير الممكن عبورها )وكذلك الأمر بالنسبة للقانون الروماني: الذي تطرق إلى الحياة في كل من الحضارة القديمة وانتقل منها إلى الحضارة العربية ثم وصل إلى الحضارة الأوربية الحديثة: تحول إلى ثلاثة أنواع من التشريع لا رابطة بينها إلا في بعض الألفاظ والصيغ أما الروح فمختلفة أشد الاختلاف . ص 142
الحضارات إذن تقوم مستقلة عن بعضها البعض تمام الاستقلال - كأي كائن حي - كل منها تكون وحدة أو دائرة مقفلة على نفسها ليس بينها وبين غيرها من الحضارات غير منافذ من نوع خاص لا تسمح بنفوذ شيء لا يتلاءم وجوهر هذه الحضارة ، وما تسمح به لا تلبث أن تحيله إلى طبيعتها ، وما يتحدثون به عن وجود"حقائق أزلية"أو فتوحات أبدية"للعلم أو للفلسفة إن هو إلا من وهم الخيال . وما يحاولونه من دمج شخصية حضارية لحساب أخرى ما هي إلا محاولات عقيمة ، لا تنتج غير كائن مشوه أو القضاء عليه بالكلية ، أو هي تنتج ما يسميه اشيبنجلر"التشكل الكاذب"الذي يوجد في بعض التطورات الجيولوجية ، حيث طبق اشبنجلر هذه الظاهرة الجيولوجية على تكوين الحضارات فوجد أن هناك حالة مشابهة لها تماما تحدث حينما تنتصر حضارة قديمة على البقعة التي تولد فيها حضارة جديدة انتصارا يحول بين الحضارة الجديدة وبين التنفس والنمو الطبيعي ، فلا تستطيع هذه الحضارة الجديدة أن تنمي صور تعبيرها الخالصة ، ص144"
وهذه في رأينا هي النتيجة البائسة التي سوف تلاقيها بعض صورالحضارة الغربية التي تحاول الانزراع ببعض قيمها السلبية في جسم الحضارة الإسلامية عندما تحاول الاستخفاف ببعض المقدسات الإسلامية ليتحول - على سبيل المثال - إلى رفض لمجموع الحضارة الغربية في كل صورها ، ، كما أنها هي النتيجة المؤسفة التي أخذت تلاقيها عندما تحاول زرع قشرة حضارية استهلاكية - في بعض مشيخات الخليج مثلا - بينما الباطن ما يزال يرزح تحت تقاليد قبلية موروثة مما قبل ظهور الحضارة أصلا ، كما أنها هي النتيجة المؤسفة عندما أخذت تحاول زرع مبدأ تداول السلطة عن طريق الانتخاب بينما الباطن ما يزال متخما بتقاليد الوراثة القبلية والفرعونية والملكية فإذا به يلوي ذراع"الجمهورية"المستوردة لتصبح وراثية تحت أعين"المتفرجين".