لنبدأ بالنقطة الجوهرية التى أفاض فيها الكثيرون من النخبة الرسمية وغير الرسمية في بلاد المسلمين , والتى يركزون عليها دون باقى النقاط المكملة لها , ولكننا نبدأ بها لنؤكد أنها فكرة صحيحة وأساسية بلا خلاف , ولكنها ليست كافية لعرض موقفنا كله ازاء المتغيرات المختلفة .
ونقصد أن الاسلام يحض على الحوار والتفاهم والتعارف والتعايش السلمى , ذلك أن الدين الحق لا يقوم الا على الاقناع و الاقتناع , ولا يوجد ايمان بحد السيف , فالايمان لغة هو التصديق (1) .
وآيات القرآن عديدة في هذا المجال .. (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة. وجادلهم بالتى هى أحسن) النحل125 . (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى) البقرة 256 .. (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) يونس99.
ولأن البشرية تنقسم الى شعوب و قبائل فان الدعوة تكون (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا , إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات13.
وعندما تتمايز الأمم فان الهدف الأسمى هو التعايش والتعارف وعدم استعلاء طائفة على أخرى, ولا أمة على أمة, ثم يكون الأكرم عند الله هو الأكثر تقوى, والحساب النهائى عند الله وليس على هذه الأرض الفانية. وحتى الخلاف العقائدى فهو متروك لله عز وجل كى يحكم فيه يوم القيامة (ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون) آل عمران55.
اذن من وجهة النظر الاسلامية الخالصة , لاتوجد أى مشكلة على الأرض , بسبب الخلاف في الرأى أو العقيدة أو اللون أو العرق أو القومية, بل أن الاسلام يدعو الى مباراة سلمية في إعمار الأرض والتخلية بين الانسان و اختياراته العقائدية.
من أين يأتى الصدام؟!
من أين يأتى الصدام اذن ؟ من أين تنشأ المشكلة؟
تأتى من الطرف الذى يرفض المبادرة السلمية ويستخدم وسائل الاكراه في فرض هيمنته ورؤيته ومصالحه.
واذا افترضنا أن الكرة الأرضية مسرح واحد متواصل فاننا كاسلاميين نقبل منطق المباراة السلمية , ولترفع العقبات والروادع عن كل الرؤى والأيديولوجيات ولنترك الحكم لجمهور البشرية , ولكن الغرب لم يقبل بهذا المنهج .. بل وصل الأمر الى حد التدخل في شئون الدول العربية و الاسلامية ضد الأنظمة ذات التوجه القومى , ثم ضد الأنظمة ذات التوجه الاسلامى , ثم انتقل الآن الى الأنظمة الصديقة يريد أن يتدخل في اسلوب حياة مجتمعاتها ومناهج التعليم و الخطاب الدينى.
والآن تتم عملية تعليق هذا التدخل على مشجب أحداث 11 سبتمبر في حين أن تاريخ التدخلات قديم ولم ينقطع بعد فترة الاستعمار التقليدى , وكانت التدخلات الغربية متصاعدة في العقدين الأخيرين من القرن العشرين , وعندما نشير الى الغرب فإننا نشير بشكل خاص إلى الولايات المتحدة الأمريكية التى اتخذت السياسة الأكثر غلوا , ولكن أوروبا لم تعارض هذا التوجه الأمريكى جذريا ولم تقدم بديلا متماسكا للعلاقات بين الاسلام و الغرب , وكان خلافها مع الولايات المتحدة تكتيكيا خاصة ألمانيا وفرنسا وبلجيكا . بل لقد عادت بنا الولايات المتحدة الى مرحلة الاستعمار التقليدى مرة أخرى باحتلال أفغانستان والعراق والتهديد باحتلال دول أخرى.
وبالتالى نحن أمام الوضع التالى:
العالم الاسلامى لا يتدخل (ولا يقوى) فى الشئون الداخلية للعالم الغربى , بينما يتعرض هو للاعتداء والاحتلال و التدخل في أخص شئونه الداخلية.
والعقيدة الاسلامية توفر أعدل منهج للتعايش السلمى بين الحضارات , ولكننا لا يمكن أن نرفع شعار الحوار الحضارى مع الجيوش الغازية لأراضينا والمتواجدة في عدد كبير من الدول العربية و الاسلامية
أما المنهج الذى نعتبره الأكثر عدالة , فقد نص عليه القرآن الكريم في قواعد نعرضها للاحتكام اليها , وأين يمكن أن نجد معيارا أكثر عدالة من ذلك؟! واذا زعم أحد أن هناك ما هو أفضل من ذلك, فنحن على استعداد لمناقشته باعتبار أن الغرب في مجموعه لا يؤمن بطبيعة الحال بقداسة ما ورد بالقرآن الكريم, ولكننا نعرضه للمناقشة العقلية البحتة.
( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين , إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) الممتحنة 8-9.
من هاتين الآيتين نستخرج مجموعة من القواعد الأساسية التى تحكم علاقة المسلمين بغيرهم سواء أكانوا أهل كتاب أو مشركين أو غير مؤمنين بأى دين من الأديان:
1-أن المسلمين ملتزمون بحسن العلاقة مع غيرهم من بنى البشر , ذلك أن الأصل في الاسلام هو السلام والمحبة , ونشر البر والعدل بين الناس قاطبة على اختلاف أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم (2) .
2-أن عداوة المسلمين يجب أن تنصب حصرا على الذين يحاربونهم لتغيير دينهم , أو يعتدون على حرماتهم: النفس و الوطن.
3-أن المسلمين لا يحاربون ولا يعادون ولا يعلنون الجهاد مع الآخرين بسبب عقيدتهم ولكن دفاعا عن النفس والعقيدة وهى ضرورة للمحافظة على الذات فاذا انتفى هذا المبرر فلا مجال للحديث عن قطع كل صلات بالمخالفين في الرأى فضلا عن قتالهم, فالنهى عن الصداقة والمحبة والتحالف منصب على الذين ما يزالون مستمرين في حربهم و عدوانهم.
نحن اذن أمام قاعدة أساسية واحدة تجمعها هذه الأبعاد الثلاثة ..
ان العلة في المقاطعة والقتال و العداوة , هى الفعل الدفاعى ردا على العدوان وحماية النفس والوطن والعقيدة , وليس لنشر الدين بالقوة أو لابادة المخالفين في الرأى والعقيدة.
وهذا أمر بديهى لا يمكن أن يرفضه أحد بأى منطق وبأى معيار , فأنا باختصار أطالب من المخالف لى بالحد الأدنى الذى لا يمكن الهبوط عنه وهو ( ألا يقتلنى ) و ( ألا يخرجنى من وطنى ) هذا مطلب عادل لأنه غريزى , ولأنه مطلب لكل انسان على الأرض , وان التفريط في هذا الحد الأدنى معناه: العدم!!
ربما يرد أحد الغربيين فيقول هذا كلام حسن ولكننا لم نراه في التاريخ , وما فائدة الكلام الحسن الذى لا يمكن أن يطبق . ونقول:
أولا: ان التاريخ يثبت أن هذه المقولات لم تكن غائبة.
ثانيا: حتى وان اختلفنا في تقييم التاريخ فاننا نقترح على الغرب هذا الميثاق من جديد خاصة وانهم عندما يتحدثون عن خطر الاسلام كقوة غازية لا يجدون الا معارك بواتييه (741م) و فيينا (عام 1684م) . ونحن الذين نتعرض لحملات عسكرية متواصلة بل ومذابح في القرون الأخيرة خاصة خلال القرنين الأخيرين 19 و 20 .
نظرة على التاريخ:
فى اطار هذه الورقة المكثفة يصعب تقديم عرض أو تحليل شامل لتاريخ العلاقات بين الاسلام و الغرب.. وهنا نكتفى بعدة محطات ..
المحطة الأولى
* الدعوة الاسلامية في موطنها الأصلى لا يمكن أن تقارن معاركها التى فرضت عليها بأى معارك في التاريخ السابق أو اللاحق لها من حيث محدودية العنف , فالمعارك فرضت أولا على المسلمين بقتلهم وتعذيبهم واخراجهم من ديارهم على مدار 13 عاما , وعندما تأسست دولة المدينة خاضت دفاعا عن النفس والعقيدة خمسين مواجهة عسكرية كان عدد ضحاياها بأجمعها لم يتجاوز تسعمائة رجل في المعسكرين سقطوا في ساحة القتال خلال 10 سنوات (3) , قارن هذا العدد بالحرب الدينية الأوروبية التى عرفت بحرب الثلاثين سنة (1618-1648) والتى كانت حربا كاثوليكية بروتستانتية و أدت الى مقتل 30% من السكان في وسط أوروبا (4) .