فهرس الكتاب

الصفحة 1983 من 2255

ولكنها في المقابل دعوة إلى إعادة البناء الداخلي للشخصية الإسلامية التي تعاني حاليًا من أمراض متعددة ومعدية. إن العزل الثقافي في مرحلة البناء والعلاج له نفس قيمة وأثر العزل الصحي للمريض إلى أن يتماثل للشفاء قبل أن يسمح له بمغادرة المستشفى والعودة إلى الاختلاط والتعامل مع الأخرين.

لذلك نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في بداية الدعوة إلى الإسلام عن قراءة الشرائع الأخرى، وكان ذلك في مرحلة البناء، وانتهى بإنتهائها، وكذلك فعلت الصين عند مرحلة البناء فيما يسمى 'بالثورة الثقافية' على ما كان فيها من أخطاء وتجاوزت إلا أنها كانت مرحلة أثبتت فائدتها للأجيال الجديدة التي استعادت الهوية الشخصية للأمة والبناء الثقافي لها.

ولا يعني الإنغلاق الثقافي رفض الأفكار القادمة من الخارج، وإنما يعني تقليل أثر هذه الأفكار على الثقافة المحلية في مرحلة البناء، ويتم ذلك أحيانًا بمنع الأفكار من الوصول إلى الشعوب وهى ما لا يعقل أو يقبل في القرن الحادي والعشرين ومع تطور تقنيات التواصل بين الشعوب والأفراد، ولذلك فالبديل الصحيح هو مقاومة الأثار السلبية للأفكار التي ترفضها الحضارة الإسلامية عن طريق استخدام نفس تقنيات التواصل بكفاءة أكبر لبث الثقافة المقبولة للمجتمع والمساعدة على البناء الداخلي للأمة.

البناء الداخلي للفرد والأمة: إذا أرادت حضارة ما أن تستعيد مكانتها بين الأمم والحضارات، فهى في حاجه إلى مرحلة بناء داخلي تستعيد فيه الحضارة قدراتها على الإبداع الحضاري والإكتفاء الإقتصادي والقوة السياسية والعسكرية. وقد تستفيد الأمة في هذه المرحلة من الحضارات والقوى السياسية والإقتصادية الأخرى لمساعدتها على النهوض دون أن تفرض هذه الحضارات هيمنتها الفكرية أو السياسية على الأمة،

إن هذا التوازن بين الاستفادة من الآخر مع الحفاظ على الإستقلالية الفكرية توازن شاق ويحتاج إلى القيادة الحكيمة والمثابرة. وبما أن البناء الداخلي يحتاج إلى وقت وجهد، ولا يثمر نتائج عاجلة فورية، فلابد من إهمال عامل الزمن عند إعادة البناء، ويعني ذلك التركيز على قوة البناء الداخلي، وليس الوقت اللازم لتحقيق ذلك، ومن المهم تحمل المشكلات الآنية التي تطرأ إلى ان يتم العلاج التام لأمراض الأمة في المستقبل.

تضحية جيل: تستعيد الحضارات ذات الرصيد الحضاري مكانتها عندما يتقبل أحد أجيال الأمة مسئولية إعادة الأمة إلى سلم الحضارة، والتضحية في سبيل ذلك. والتضحية التي يقدمها هذا الجيل تكون في الغالب باهظة الثمن، ولذلك فليس من السهل أن يجبر جيل ما على القيام بهذه التضحية، وإنما تجتمع الظروف والعوامل الأخرى لتكون هذا الجيل وتقدمه ثمنًا لاستعادة الحضارة لمكانتها. إن هذا ما حدث في الصين التي فقدت الملايين من جيل ماوتسي تونج والجيل الذي تلاه، وتحصد الصين اليوم نتائج تضحيات ذلك الجيل. وما يحدث اليوم في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وغيرها من المناطق الملتهبة في العالم الإسلامي قد تكون بشارة تعكس نفس روح التضحية التي يقدمها أبناء جيل من أجل أمة.

قبول التحدي: الرصيد الحضاري الكامن لدى الأمم لا يتحول إلى قوة دفع إلا عندما تقبل الأمة أفرادًا ومجتمعات تحدي مواجهه الواقع وتحدي التغلب على المعوقات والخصوم. فلا تستعيد الحضارات مكانتها بأن تفسح لها الأمم الأخرى مكانًا، ولكنها تستعيد مكانتها بفرض نفسها على الحضارات الأخرى، وتحدي الخصوم من أجل الفوز باحترام العالم وثقة الشعوب. إن العودة الحضارية تفقد الأمة الكثير من الأصدقاء في مرحلة التحدي، ولكنها تعيد إلى الأمة الاحترام العالمي وهو خيار لا يحسم إلا بقبول التحدي. ولا يعني قبول التحدي إساءة معاملة الخصوم، وإنما يعني اكتساب الخصوم إلى صف الأمة بناء على التوافق في المواقف وقبول التضحية من أجل المبادىء ومن أجل إعادة الأمة إلى مكانتها.

كيف تعود أمتنا إلى مكانتها

إن الأمة الإسلامية لها من 'الرصيد الحضاري' ما يكفي لأن تعود إلى قمة الأمم المتحضرة فكريًا وتقنيًا وأقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، ولكن الأمة في حاجة إلى اتباع العوامل السابقة لكي يتم تحويل الرصيد الحضاري إلى واقع جديد ينقل الأمة من مأساتها الحالية وينهض بها من كبوتها التي طالت، ولن تجتمع هذه العوامل إلا بتكاتف طليعة المثقفين والمفكرين وقيادات الأمة معًا للتضحية من أجل مستقبل أفضل للأمة على حساب تضحية جيل لن ينعم بالرخاء أو بالراحة، ولكنه سيكون جيل نهضة تذكره الأجيال القادمة ويفوز بالنجاح والنجاة في الدنيا والأخرة.

الحضارة الغربية وأسباب الفناء العاجل

أنور قاسم الخضري*

لست مجازفًا عندما أتحدث عن فناء الحضارة الغربية، ولست بدعًا في ذلك، فكم هي التنبؤات التي سطرتها الكتب المختلفة - ومنها لمؤلفين غربيين - عن هذا الفناء والزوال القادم على الحضارة الغربية.

كما أنني في هذا الباب لست إلا مذكرًا بالحقائق، ومؤكدًا على الشواهد، ومنبهًا لكل مفتون.

وإذا كان الأمر كذلك فما مصير القيم الغربية التي تعلقت شعوب الأرض بها؟! وما مصير الشعارات المستوردة من هناك إلينا.. هل ستزول بزوال الأصل أم أنها ستعالج سكرات الموت لأجل آخر قريب؟!

لعلَّ ذلك يكون مدار حديث آخر، أما هذه الأسطر فهي في المحاور التالية:

* عذراء أم عجوز:

هذا سؤال يطرح نفسه في موضوعنا هذا هل الحضارة الغربية عذراء أم عجوز!!

ظاهر هذه الحضارة البراقة التي يراها أغلب الناس أنها عذراء... كيف لا وهي حضارة المساحيق والمكياج والأصباغ.

إلا أن نظرة فاحصة إلى وجه هذه الحضارة تؤكد لنا أن هذه العذراء عجوز عقيم بكافة المقاييس المادية والمعنوية.

فمن الناحية المادية أكد تقرير إحصائي عن التركيبة السكانية في أوروبا أن 25% من سكان أوروبا سوف تكون أعمارهم في عام 2025م فوق 65 عامًا، أي ما يعادل ربع سكان أوروبا، أما المسنين في أمريكا فوق 65 عامًا فسيبلغون في العام ذاته 20% - أي خمس السكان - هذا في تقديرهم، والله أعلم بخلقه.

وهنا نسرد الأسباب التي تقف وراء كون سكان الحضارة الغربية عجزة مسنين:

1.الحروب الضخمة التي أحرقت في أوج احتدامها شباب أوروبا وأمريكا، ومن أهمها الحربين الأولى والثانية.

فيما قتل في أتون المعركة 20 مليون نسمة في الحرب العالمية الأولى التي أنفقت فيها الدول المشاركة 82.4 مليار دولار، قتل أيضًا في الحرب العالمية الثانية ما يقدر بـ35مليون نسمة، وبلغت نفقات التسلح 1100مليار دولار، فيما بلغت خسائر الدول من الحرب 2100 مليار دولار، وقد ذكرت مجلة غربية أن عدد ضحايا الحروب في القرن الماضي يزيد على 207 ملايين نسمة كان للحروب الأهلية والقومية والاستعمار الغربي فيها النصيب الأكبر.

2.التفكك الأسري وبروز مفهوم حرية المرأة الذي دفع بأغلب نساء المجتمع للتعلم والعمل والإعراض عن تحمل أعباء المنزل وتربية الأطفال، مما قلل من حالات الإنجاب المبكر الكثير.

3.الإعراض عن الزواج أو تأخيره والبحث عن الشهوة الجنسية فقط حتى ظهرت ثقافة الجنس عوضًا عن ثقافة الأسرة.

4.الإجهاض والذي أصبح ظاهرة متزايدة في الغرب لدوافع كثيرة، حتى أصبحت القوانين والتشريعات في أغلب الدول الغربية تغض الطرف عنه أو تسمح به.

في أمريكا وحدها وفي عام واحد 85 م سجلت 400ألف حالة إجهاض للفتيات ما بين 12- 17 سنة، ولك أن تتخيل باقي فئات الأعمار الأخرى.

5.العنف: حيث حوادث الاعتداء والقتل والاغتصاب والضرب المبرح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت