حكمنا فكان العدل فينا سجيةً…فلما حكمتم سال بالدم أبطَحُ
وما عجبٌ هذا التفاوت بيننا…فكل إناء بالذي فيه ينضح
لقد شهد التأريخ المعاصر وحشية القوم وإرهابهم على الرغم من الشعارات البراقة التي تُمتهن عمليًا في كل لحظة، ورغم العهود الدولية والمواثيق العالمية التي تنادي بحقوق الإنسان في مواثيق موهومة وديمقراطيات مزعومة، تخرقها جرائم بشعة أمام سمع العالم وبصره، ولا يُغفل التأريخ المخازي النكراء في التعصب ضد المسلمين في الحروب الصليبية وفي الأندلس وفي الواقع المعاصر، مما يطأطئ رؤوسَهم خجلًا وحياءً، بل إن مخازيهم في الاضطهاد، والتعصب لا يطمرها التأريخ، وما أفعال النازية ومآسي محاكم التفتيش بخافية على أهل الإسلام، بل لا نذهب بعيدًا فهذه أحقادهم في الحربين العالميتين مهما أعلنوا في المحافل الدولية وفي مواثيق هيئة الأمم الحديثة إنسانيتهم، وهم على أرض الواقع يمارسون وحشيتهم وضراوتهم، وإن التخلق يأتي دونه الخُلُق.
إنها شعارات تختبئ وراء شعار السلام والاستقرار، وهي تزرع الإرهاب والاستعمار، وقد كشفت الأحداث العالمية والمجريات الدولية وزر قسوتهم، مما يؤكّد على مر العصور أنهم سفّاكو الدماء ووحوش التعصب وعبيد القسوة. فكيف تُشَنّ الحملات الإعلامية المغرضة ضدَّ الإسلام والمسلمين متهمة إياهم بالإرهاب والوحشية وهذه شنائعهم؟!
ولن ينس الغيورون على أوضاع أمتهم مذابح صبرَا وشاتيلا، ومجازر قانا، وعناقيد الغضب الصهيوني ضد إخواننا في فلسطين المجاهدة، حيث تتحدث الحجارة هناك.
سكت الرصاص فيا حجارةُ حدثي…أن العقيدة قوة لا تُهزَم
ولقد سقطت الأقنعة عن الإعلام الغربي المعاصر حينما تأكد للمراقبين أن أكثر وكالات الأنباء وقنوات الفضاء العالمية تسيطر عليها المنظمات الصهيونية، بل إنها تُمثِّل دُمى في يد اللوبي الصهيوني العالمي، وإذا بطل العجب في ذلك فالعجب من الإعلام المتصهين، الذي لا يمثل إلا أبواقًا ناعقة تجيد التلفيق المكشوف والاستهلاك المذموم، وإنها دعوةٌ حرّاء لرجال الإعلام في عالمنا الإسلامي للتفاعل والإيجابية، والنهوض من الركود والسلبية، والتخلص من النمطية والغثائية، وتسخير هذه الوسائل لبيان روائع حضارتنا الإسلامية، كما يجب التثبت والتبين، وعدم الركون إلى الإثارة والاستفزاز والمساس بالثوابت، في ظل تداعيات العولمة والحملة على الإرهاب.
لا بد من ضبط المصطلحات حتى لا يُخلَط بين الإرهاب المذموم والمقاومة المشروعة، وحتى لا يُتَّهم الأبرياء من حملة الشريعة ودعاة الإصلاح في الأمة وأهل الخير والحسبة والمؤسسات العلمية والدعوية والإغاثية والخيرية بدعوى مكافحة الإرهاب، وما الإرهاب إلا ما في جعبة القوم.
والسؤال المطروح على الرأي العام العالمي وعلى وسائل الإعلام الغربية: هل ما يجري على أرض فلسطين وما تمارسه إسرائيل الحاقدة يتمشى مع الحق والعدل والإنسانية؟ وإذا لم تكن ممارسات الصهيونية في فلسطين إرهابًا فما هو الإرهاب إذًا؟! مما يتطلب اضطلاع هذه الأمة بالمشروع الحضاري الكبير في قيادة دفة العالم إلى برّ الأمان وساحل النجاة في عالم يموج بالتحديات، ولا مكان فيه للضعفاء، بل الضعفاء فيه والمسلمون هم المتهمون والضحايا، والغير هو الخصم والحَكَم.
فالبدار البدار عباد الله، والحِذار الحذار أمة الإسلام، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف: 21] .
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان توابًا.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا لا ينفد، أفضل ما ينبغي أن يُحمد، أحمده تعالى وأشكره على نعمه التي لا تُحَدّ، وآلائه التي لا تعد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وأصلي وأسلم على أفضل المصطفين محمد، وعلى آله وصحبه ومن تعبَّد.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
أيها الإخوة في الله:
في ظل فكرة القيام بالمشروع الحضاري الإسلامي يجب أن تُخلَص النيات، وتحسن المقاصد، وتتحقق الوحدة الإسلامية بالاعتصام بالكتابة والسنة، وتصفو القلوب من غوائل الأحقاد والهوى، وتتربى الأجيال على العلم الشرعي، والتلقي من العلماء الراسخين، وينشغلوا بالمهمات والأوليات، لا بد من إعادة النظر في المواقف والسياسات، وفتح صفحة المحاسبة والمراجعات، حتى يُفوِّت أهل الخير في الأمة الفرصة على المصطادين في الماء العكر، الذين سيقفون أمام مشروع الأمة الحضاري من أولئك المنهزمين المخدوعين ببريق حضارة القوم، حتى سلبتهم الثقة في أنفسهم وأمتهم، وحتى أصبحوا متسولين على موائد الغرب الثقافية وأطروحاته الفلسفية، فانبرى بعضهم بأقلام مأجورة للمساس بثوابت الأمة في عقيدتها وأخلاقها، فاهتزت عقيدة الولاء والبراء عندهم، ونالوا من مكانة حجاب المرأة المسلمة، واستخف بعضهم بثقافة المسلمين ومناهجهم التعليمية الشرعية، فنعقوا بأصوات ببَّغاوية بالتغيير والتبديل، بدعوى التجديد والتطوير زعموا، وكثر المفتونون بسامريِّي عصرنا وعجلوهم من الثقافات الوافدة، والأطروحات المغرضة، وفي خِضم هذه الأحداث الحوالك ينطلق صوت مدوٍّ من أرض الجزيرة أرض الرسالة والهداية أرض الحرمين الشريفين حرسها الله، مُعلنًا أن لا مساومة على الدين والعقيدة، فشفى بحمد الله صدور المؤمنين الغيورين، وسد الطريق أمام المغرضين المبطلين، لتسير سفينة المجتمع في أجواء آمنة في عالم متلاطم الأمواج، كل ذلك بفضل الله، ثم بفضل ربّان مهرة، قادوا فأحسنوا القيادة، وبنوا فأبدعوا في البناء، فدعوات الأمة لهم بالتسديد والتوفيق، وأن يفرج الله الغمة عن هذه الأمة، وذلك لا يكون بالركون إلى الأحلام الوردية، وإنما بالنزول بخطى متوازنة إلى ميدان الصلاح والإصلاح، وأن يتفرغ الجميع للبناء الحضاري في كل الميادين، والله المسؤول أن يوفق الجميع لما فيه الخير في الحال والمآل، إنه خير مسؤول وأكرم مأمول.
ألا وصلوا وسلموا ـ رحمكم الله ـ على خير من أشاد صرح حضارتنا الإسلامية نبي الرحمة والهدى كما أمركم بذلك المولى جل وعلا، فقال تعالى في محكم التنزيل وأصدق القيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .
اللهم صل وسلم وبارك على حبيبنا وأسوتنا وقدوتنا محمد بن عبد الله...
(1) أخرجه أبو عبيد في الأموال (119) قال: حدثنا محمد بن كثير، عن أبي رجاء الخراساني، عن جسر قال: شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى عدي بن أرطاة قرئ علينا بالبصرة، ثم ذكر نصه وفيه: وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مر بشيخ من أهل الذمة، وذكر القصة وعمر بن عبد العزيز لم يدرك عمر رضي الله عنه.