فهرس الكتاب

الصفحة 1904 من 2255

من أفظع ما حملته الصحف من تقارير ما نشرته 'جينز دفنس ويكلي' في عددها الأخير من أن البنتاجون أفرد في خطته منذ ثلاثة أعوام في الحرب علي العراق بابا أساسيا بقوات وتشكيلات واستعدادات لقتال المدنيين في الأزقة والفناءات وغرف النوم.. قالت الدورية العسكرية المتخصصة: إن مؤسسة العسكرية الأمريكية 'المجردة من كل شرف' رتبت بعد تجربة الصومال وتحت إشراف مركز 'أدبو' وبالتعاون مع مؤسسة 'داند' مؤتمرا بهذا الخصوص انتهي عمليا ببناء قرية 'شوفارت جوردن' للتدريب علي العمليات العسكرية في الأراضي المدنية، ثم قرية 'زوسمان' في فورت نوكس في كنتاكي وفي أماكن أخري في بريطانيا وعدد من دول الناتو.

ويكشف التقرير عن ثلاث شركات متعددة الجنسيات دخلت حلبة الملعب مع البنتاجون لتطوير تقنيات غير مسبوقة لمحاربة المدنيين تعتمد علي آخر صيحة في العلوم الاتصالية والديجيتال هي شركة 'فاير ارمز تريننج سيستمز'، وشركة 'تاليس' الفرنسية، وشركة 'إيه آي اس'، كما يكشف عن تعاون شركة 'بارامونت' للإنتاج السينمائي مع هذه الشركات للوصول إلي أفضل النتائج للقضاء علي 'العدو المدني'.

يمضي التقرير المنشور علي مساحة ضخمة بقارئه إلي تفاصيل فنية متشابكة لكن يبقي القارئ العربي يغالب دهشته الأولية يسأل سؤالين: الأول هل أصبح قتال المدنيين في بيوتهم ومساجدهم وربما أرحام أمهاتهم هكذا بالمطلق أمرا شرعيا يدرس في كليات أركان الحرب عيانا بيانا دون أي جملة شرطية أو اعتراضية؟ والثاني إذا كان الأمر كذلك فإلي متي يظل العربي في عالمنا فيما يتعلق بالسياسة والعسكرية والعلم والاستراتيجيا والحياة في كل مرة آخر من يعلم؟ فيما يخص الأخيرة يتذكر المشاهد العربي خبراء البنادق الرش الذين وجعوا أدمغتنا وزغللوا أبصارنا أثناء الحرب وملأوا السبورات أمام شاشات الفضائيات أسهما ودوائر ومعادلات ونظريات وبرهنت الأيام أن معظم ما قالوه لا علاقة له من قريب أو بعيد بما كان يتم علي أرض الواقع وأن خيال معظمهم السياسي مع التفاؤل توقف عند معركة أحد. نفس الكارثة كانت هناك في الداخل العراقي.

ففكرة التصدي العراقي ارتكزت علي قيم قديمة ومفاهيم قديمة واتفاقات إنسانية قديمة جوهرها أن الجيوش تحارب جيوشا وأنه أيا كان التجاوز هنا أو هناك فالعدو لن يحارب شعبا ومدنا أو تداخل جيش وطني مع مقاومة شعبية. لم يدر بخلد المقاومين العراقيين ولا بخلدنا أن العدو قادم من منابع فكرية وأخلاقية غير مسبوقة السفالة، وأنه أقذر مما كنا نتوقع مليون مرة، وأنه ليس قادما لاطاحة شخص أو قلب نظام وإنما لتدمير جيش وتخريب وطن وتغيير معادلات سكان بالتأليب والفتن والحرق والإبادة الجماعية ونزف الثروات والتصحير الحضاري وهذا كله ما كان يمكن أن يتم إلا بفكرة لم ترد علي ذهن الشيطان أولها قصف وردم العراق علي من فيها دون تمييز وتسريح جيشها ودولتها وفكرتها والثاني إقامة دولة بوليس خارجية 'أي دعامتها من خارج العراق' تحت أيديها أحدث تقنيات الجيوش تحارب كتلا سكانية وأحزابا سياسية وقوي وطنية. فرقة مقاتلة المدنيين.. تعني إنهاء الدولة البوليسية الوطنية القديمة.. لإقامة دولة العولمة البوليسية، ترحموا علي دولة الاستبداد الشرقي ترحموا علي كولونياليات القرنين الثامن والتاسع عشر. انتظروا دولة العولمة البوليسية في طبعتها الإبداعية الجديدة الفاخرة الجامعة المانعة. اشتر واحدة تحصل علي الثانية مجانا.)

هذه الحقيقة بكل بشاعتها وسطوتها وديمومتها يجب أن توضع على مائدة البحث - بجوار الحقيقة الأولى التي تصور بحق أن حربا عالمية أعلنت على المسلمين في كل مكان - قبل الكلام عن تحريم أو عدم تحريم ضرب المدنيين الأبرياء من جانب واحد .

ولا يعني هذا أن أحكام الشريعة الإسلامية أصبحت عاجزة عن مواجهة الموقف الحديث والتشريع له وفقا لأصولها وثوابتها ، وإنما يعني أن الحكم المطلوب يجب أن ينظر في ضوء هذه التطورات الجذرية .

وأما المقدمة الثالثة

فتأتي متأخرة لننتقل فيها إلى النظر في استنباط الفقهاء للحكم الشرعي فيما يتعلق بسلامة الأبرياء من المدنيين أثناء القتال

أولا: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في وصاياه لبعض جيوشه: ( اغزوا باسم الله ، في سبيل الله ، وقاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ولا تغُلّوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا ) رواه مسلم بسنده عن سليمان بن بريدة عن أبيه .

وفي رواية لأبي داود في سننه بسنده عن أنس بن مالك يأتي قوله صلى الله عليه وسلم: ( انطلقوا باسم الله وبالله ، وعلى ملة رسول الله ، ولا تقتلوا شيخا فانيا ، ولا طفلا ، ولا صغيرا ، ولا امرأة ، ولا تغُلّوا ، وضعوا غنائمكم ، وأصلحوا ، وأحسنوا ، فإن الله يحب المحسنين ) .

ثانيا: ولا يمنع ذلك من المعاملة بالمثل إذا دعت الضرورة . والأصل في ذلك قوله تعالى: { وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبوا بِمِثْلِ ما عوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرينَ } 126 النحل ، و يقول تعالى: { ذَلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفورٌ } الحج 60

ولا بد من القول بأن من شرط ذلك ألا يكون لحظ النفس ، فمن ثم لا تصح المثلة إشباعا لحقد ، ولا تصح السرقة جمعا لمال ، ولا يصح الزنا تحقيقا لشهوة .

ثالثا: هنا نجد للمسألة ثلاثة جوانب عند الفقهاء: جانب المعاملة بالمثل من حيث أداة القتل والقتال كالسيف أو الخنجر أو الخنق أو التحريق أو التغريق أو التقطيع ، وجانب المعاملة بالمثل من حيث الموضوع الذي يقع عليه الدمار أوالقتل أو القتال كالجندي أو الرجل أو المرأة أو الشيخ أو الطفل أو الصناع ، أو الفلاحين ، أو الشجرة أو الدار أو المصنع أو السد أو الجسر أو المتحف ، أوالمستشفى إلخ ، وجانب سلطة التنفيذ أو الأمر به كولي الدم أو ولي الأمر .

وفي ساحة السادة الفقهاء نجدهم قد تعرضوا للجوانب الثلاثة بضرب الأمثلة ، ففي كتاب"روح المعاني في تفسير القرآن للألوسي"في تفسير قوله تعالى"والحرمات قصاص"جاء قوله: ( واستدل الشافعي على أن القاتل يقتل بمثل ما قتَل به من محدد أو خنق أو حرق أو تجويع أو تغريق ، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في ماء ملح ) .

وفي فتح القدير للشوكاني: ( قيل وهذا كان في أول الإسلام ، ثم نسخ بالقتال . وقيل إنه ثابت بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم ينسخ ، ويجوز لمن تعدي عليه في مال أو بدن أن يتعدى بمثل ما تعدي عليه ، وبهذا قال الشافعي وغيره ، وقال آخرون: إن أمور القصاص مقصورة على الحكام ، وهكذا الأموال ، لقوله صلى الله عليه وسلم"أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك"أخرجه الدار قطني وغيره ، وبه قال أبو حنيفة وجمهور المالكية وعطاء الخراساني ، والقول الأول أرجح ، وبه قال ابن المنذر واختاره ابن العربي والقرطبي وحكاه الداودي عن مالك .. إلخ ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت