فهرس الكتاب

الصفحة 1902 من 2255

(4) وإنه لمن التجهيل المتعمد الذي يأتينا من أبواب الدعاية والتلاعب بالعقول وصناعة الرأي العام وفق استراتيجية العدو ما يشاع من أن موقف الغرب الذي أعلنه أخيرا من الإسلام باعتباره العدو ومحور الشر في العالم إنما هو ضد المسلمين المتطرفين ، ثم جددوا عبارتهم فصارت ضد المسلمين الإرهابيين ، ثم جددوا عبارتهم فصارت ضد الإسلامويين لا المسلمين !! وهي عبارات شديدة الإبهام والغموض … روجتها وسائل الإعلام عن"معهد القيم الأمريكية"وهو بيت خبرة مستقل ، صدرت باسم ستين من المثقفين الأمريكيين ضمن رسالة مفتوحة موجهة إلى الأمريكيين والمجتمع الدولي يشرحون فيه لماذا يعتقدون أن الحرب على الإرهاب ضرورية عادلة ، حيث يفرقون في البيان بين الإسلام المعتدل والإسلاموية الشريرة ، وحيث علق الأستاذ سعد محيو في عموده اليومي في اليوم السابق على نشر البيان مترجما بجريدة الخليج قائلا: إن ( التمييز بين الإسلام والإسلاموية صائب تماما ) أما في رأينا فهي تفرقة غير صائبة مع الاعتذار للأستاذ سعد محيو ، إذ قد تختلط - في ساحة الإسلام المعتدل !! - بالتفرقة بين رجل السياسة الذي قد يكون معتدلا ورجل الجيش الذي لابد من أن يكون عنيفا ؟ فهل يصح أن ينسب رجل الجيش إلى الشر عندئذ ؟ ، أم أن نسبة الشر إلى أحدهما مقصود بها التضليل بخلط الأوراق . وهكذا يبتلع مثقفونا الطُّعم ، أو يريدون لنا أن نبتلعه . ( أنظر ما جاء بجريدة الخليج يوم 27\2\2002 )

ونحن بحاجة إلى قدر كبير من السذاجة لنصدق ما يشاع من أن هذا الموقف قد جاء نتيجة ما ارتكبه بعض الحمقى من اعتداءات على المدنيين الأبرياء ، ففضلا عن أن هذه الأحداث كان من الممكن حصر النظر إليها في نطاق القانون والأمن والمخابرات القديرة التي تصل ميزانياتها السنوية إلى مليارات الدولارات والتي صنعت بعض هؤلاء الحمقى من قبل ، إلا أنه من المؤكد أنها لم تكن هي التي صنعت كل هذه الكراهية الهائلة التي تتفجر في الغرب ضد كل ما هو عربي أو إسلامي ، إذ لهذه الكراهية أصل ثقافي من صنع التبشير والاستشراق والسيطرة والمعرفة المؤدلجة من أجل السلطة ، وله ماض تاريخي طويل عريض يبدأ من ظهور الإسلام إلى حروبه مع الإمبراطورية الرومانية في الشرق الأوسط في الشام ومصر ، وحوض البحر الأبيض المتوسط والحروب الصليبية وجنوب أوربا ، مرورا بأسبانيا وأوربا الشرقية وسقوط الدولة العثمانية وانتشار الاستعمار الغربي القديم والحديث طوال عمر الإسلام ؛ والاستيطان الصهيوني أخيرا ، وليرجع من يريد الاستزادة إلى كتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق ليعرف كيف تتجذر هذه الكراهية طوال القرون في الفكر والأدب والسياسة والاجتماع -

ولا نريد أن نستطرد هنا في العرض التاريخي مراعاة لشعور الطابور الخامس الذي يسكن في ديارنا فلقد بلغ الأمر ببعض إخواننا وهو بصدد بيان ما ارتكبه الغرب من مظالم تجاه الشرق بدءا من الحروب الصليبية إلى الاستعمار ، إلى ما سماه"الإطلالة الأمريكية على المنطقة"!! بلغ الأمر به أن استذكر أن هذا ( بالطبع لا يعني أن الشرق - يعني المسلمين - كانوا دوما ملائكة ، ولا بد في لحظة ما أن يأتي الوقت كي يعترف هؤلاء بأخطائهم ، بما في ذلك الوجود في أسبانيا لأكثر من 500 عام ؟!، وتهديد أمن أوربا المسيحية لأكثر من 500 عام آخر ، وصولا إلى العصور الحديثة التي شهدت تراجعا ملحوظا في التسامح الإسلامي تجاه الأقليات ) وردا على هذه المزاعم وقياسا على سلسلة الاعتذارات هذه كان ينبغي على أصحابها أن يطالبوا باعتذار العرب عن وجودهم في الشرق الأوسط منذ ظهور الإسلام ، وأن يطالبوا الأنجلو سكسون ، واللاتينيين بالاعتذار عن وجودهم في أمريكا منذ أقل من أربعمائة عام ، بل وأن يطالبوا المسيحيين بالاعتذار عن وجودهم في أوربا منذ ألفي عام ، حيث إن المسيحية ظهرت أصلا في آسيا ؟؟ !

وفي كلامهم عن اعتذار الشرقيين عن وجودهم في الأندلس لمدة 500 عام قياسا على اعتذار متوهم من الغرب عن مظالمه للشرق لابد لنا هنا من الكشف عن الفرق الذي عميت عنه العيون بين فتح إسلامي جعله الإسلام لأصحاب العقيدة لا لخصوص الفاتحين ولتصبح أجناس من الأمم هم أصحاب الإسلام وأصحاب دولته حقا: من فرس وأكراد ومماليك وتتار وأتراك وهنود وأوربيين أيضا ، وصل اعتناقهم للإسلام إلى حد جرى فيه النقاش ومن ثم التشكيك حول ما إذا كان العرب أصحاب الفتوحات الأولى مثلهم أو أقل منهم في ميزان اختصاصهم بالإسلام دولة وشريعة وحضارة ؟ .. أقول: لا بد لنا هنا من الكشف عن الفرق بين هذا الفتح الإسلامي و غزو يوناني ، وروماني ، وصليبي ، واستعماري ،وصهيوني ، وأمريكي أخيرا؟ لسنا بحاجة في هذه العجالة لسرد جرائمه و جرائره في استعباد الشعوب وامتصاص دمائهم وتصديرها لحساب الرجل الأبيض .

إنه في سياق المقارنة الزائفة بين الحروب الصليبية باعتبارها خطأ ارتكبه الغرب المسيحي ضد المسلمين !! ، في مقابلة خطأ المسلمين الذي ارتكب ضد الغرب المسيحي في فتح الأندلس - ولنقل غزوها لا بأس - وفتح جنوب فرنسا الذي لم يستقر ، وفتح بلاد شاسعة من أوربا … عندما يحدث ذلك من بعض رجالات الصحافة المتأمركين عندنا فإنه لابد من التعقيب عليه بكشف قناع الزيف فيه ، لا بالذهاب إلى تفاصيل التاريخ التي تدمغ هذه المقارنة بالجهل فحسب ، ولكن لنتساءل أيضا: أكان خطأ المسلمين ضد الغرب المسيحي قاصرا - في تقديرهم - على أسبانيا وأوربا ؟ أو هو ينسحب على فتح مصر والشام وجنوب البحر الأبيض المتوسط ، الذي كان غارقا في مستنقع البطالمة والرومان وأذنابهم ؟ ثم ينسحب إلى أفريقيا وآسيا باعتبار عالمية المسيحية في تقدير الغرب المسيحي ؟ ، ثم ينسحب إلى الجزيرة العربية بأدق وأقدس أماكنها التي هي ملك لهم حسب صريح خطتهم في مؤتمراتهم التاريخية في التبشير ؟

ولم لا نكشف الأوراق بطريقة محترمة لنقول: إن عالمية الدعوة الإسلامية ، وعالمية الدعوة المسيحية - حسب اعتقاد الكنيسة الموقرة - تدعونا إلى استبعاد هذه المباراة الصبيانية بين اعتذار عن خطأ من هنا واعتذار عن خطأ من هناك .. لنعالج القضية في إطارها الحضاري الصحيح: أي لنقارن إنسانيا بين دخول الصليبيين القدس - عندما قتلوا من رجال المسلمين وأطفالهم ونسائهم سبعين ألفا في أيام وأطلقوا من دمائهم نافورات جعلت خيل الصليبين تتعثر فيها داخل المسجد حتى الركب _ وبين دخول الإسلام مكة الطلقاء ، أو دخوله أسبانيا - دخولا حرمت منه فرنسا لسوء حظها - بمقاييس الحرية والعلم والحضارة والإنسانية ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت