فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 2255

كما أورد لويس مقولة عربية قديمة عن الحاكم العادل والحاكم الظالم، وليس من المنهج العلمي أن يحاكم الفكر السياسي إلى مقولات مجهولة الهوية ولا تعني شيئًا. فالمقولة تزعم أن الحاكم العادل سيجد المكافأة ولكن لم يحدد لويس ممن، وكذلك العقوبة للحاكم الظالم ممن؟، فإذا كان المقصود أن الجزاء والعقاب من الله وما على المسلم إلاّ أن يكون شاكرًا في حالة الحاكم العادل وصابرًا في الحالة الثانية. فهذه مخالفة واضحة لأسس العقيدة الإسلامية التي تدعو إلى رفض الظلم وإلى إنكار المنكر وإلى مقاومة الفساد. إن التسليم برأي لويس يجعل المسلم شخصًا سلبيًا وما تحركت في عروقه الدماء إلاّ في بداية القرن التاسع عشر عندما بدأ بالاحتكاك بالغرب.

المحور الثالث: لويس والحركات الإسلامية المعاصرة.

تعد الحركات الإسلامية المعاصرة أو ما يطلق عليه الإسلام السياسي من أبرز القضايا في الفكر السياسي المعاصر. وقد اهتم لويس بهذه القضية عندما وجد أن الاتجاه في الغرب عمومًا يميل إلى الاهتمام بالحركات الإسلامية وأن هذا يقدمه إلى المسؤولين في العالم الغربي وجهات صناعة القرار السياسي والاقتصادي على أنه خبير في قضايا العالم الإسلامي المعاصرة.

ولعل ظهور ما يمسى الحركات الإسلامية المعاصرة قد جاء في أثناء مقاومة البلاد الإسلامية للاحتلال الأجنبي، ولكن هذه الحركات اندمجت في الحكومات التي قامت بعد انتهاء الاحتلال واستعادة الاستقلال. غير أن ظروف البلاد العربية الإسلامية بعد الاستقلال استدعت من المسلمين أن ينظموا أنفسهم في حركات تدعو إلى العودة للإسلام بعد أن جاء الاستقلال بالكثير من الانحرافات في السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم وغيرها من المجالات.

يصر الباحثون الغربيون ومن بينهم لويس على تسمية هذه الحركات ب"الأصولية الإسلامية"بالرغم من أن بعض الباحثين الغربيين قد أدركوا الخطأ في ذلك حيث يقول جيل كيبل عن المصطلح الإنجليزية"الأصولية"Fundamentalism والفرنسي Integ صلى الله عليه وسلم isme"إنهما تبسيطيتان يختزلان الظاهرة ويحرفانها، وهما يعيقان معرفتنا بتلك الظاهرات في مجملها، ثم إن عجزنا الإجمالي عن تفسير أو تأويل الحركات الإسلامية اليوم إنما يعيد إلى حد بعيد إلى استخدامنا هذه النظارات القديمة التي نضعها على أعيننا لأننا لا نجد في عجالة أمرنا خيرًا منها يمكن كل ما تقوم به هو زيادة التشويش في إدراكنا" (42) .

ويلاحظ أن لويس وغيره من الكتاب الغربيين خلطوا بين الأصولية الغربية بكل ما فيها من رفض للمجتمعات الغربية وانحلالها وانحرافها نحو المادية الطاغية وبين الحركات الإسلامية التي تنادي بالعودة إلى تطبيق الإسلام في حياة المسلمين في النواحي الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأولًا وقبل كل شيء في النواحي العقدية. ولذلك فهم يخلطون حقًا بين الإسلام وبين ما يتخيلون أنه"أصولية"بالمعنى الغربي، كما يصمون كل دعوة إلى الإسلام على أنها تطرف وتشدد.

وتأتي أهمية تناول كتابات لويس حول تيار الحركة الإسلامية للمكانة العلمية البارزة التي حققها لويس بصفته مؤرخًا مختصًا في التاريخ الإسلامي، وبصفته خبيرًا في شؤون العالم الإسلامي (الشرق الأوسط) ، ولأن كتاباته تصل إلى أعلى المستويات في مصادر صنع القرار السياسي في الغرب، ولأن لويس يتميز بغزارة الإنتاج والنشاط المتواصل في نشر فكره.

يبدي لويس تردده في نعت الحركات الإسلامية بالأصولية لأن هذا المصطلح نشأ في الغرب لوصف الحركات البروتستانتية، ولكنه يعود ليجد أن معظم المسلمين ينطبق عليهم هذا المصطلح وهذا ما يقوله:"كل المسلمين -مبدئيًا- أصوليون في موقفهم من نص القرآن، ويختلف الأصوليون المسلمون عن غيرهم من المسلمين، وبالطبع من الأصوليين النصارى في التمسك الشديد بالتعاليم والأساليب التقليدية بالإسلام، وتقيدهم الحرفي المفرط بالإسلام، إنهم يعتمدون ليس فقط على القرآن ولكن أيضًا على السنة النبوية. وعلى التراث الإسلامي من الكتابات العقدية والشرعية. إن هدفهم ليس أقل من القضاء التام على كل التشريعات المستوردة المتطورة، والنظام الاجتماعي وإحلال الشريعة كاملة مكانها ذلك. وتتضمن الشريعة بقوانينها وعقوباتها وتشريعاتها وصيغة الحكومة التي تقرها (43) ."

أما أسباب نجاح أو انتشار الحركات الإسلامية (الأصولية) فيرجع إلى وجود الحكومات الفردية التي تمنع وجود الأحزاب السياسية وبالتالي تستطيع الحركات الإسلامية أن تتجمع في المساجد وفي المناسبات الدينية، وهذا أمر لم تستطع الحكومات عمل شيء لإيقافه (44) .

ونتوقف عند أخطاء لويس المنهجية هنا فالحركات الإسلامية التي تسعى إلى استعادة مكانة الإسلام في المجتمعات الإسلامية ليست"أصولية"؛ ذلك أن"الأصولية الغربية تسع ىكما يقول جيل كيبل إلى"مكافحة العلمانية وإحداث تغيرات في المجتمعات الغربية التي طغت عليها المادية وانهارت فيها القيم والأخلاق"، أما العالم الإسلامي فلم يصبح فيه علمانيًا إلاّ النخب المتغربة وبصورة جزئية أيضًا، بينما تولدت حركات معاودة التنصير في مجتمعات عاشت في غالبيتها العظمى ومنذ أكثر من قرن علمنة دنيوية عميقة، وقد تجلت هذه العلمية في المجالات القانونية والتنظيمية (45) .ويذكر كيبل أن الأصولية اليهودية أيضًا قد وصلت إلى قناعة بأن الثقافة الغربية تتصف بخواء وعبثية كاملين، وأن هدفها الوحيد هو إشباع رغبات الفرد داخل سياق من المادية لا حدود لها (46) ."

ويرى لويس أن الحركات الإسلامية أو"الأصولية"إنما هي حركات ضد الغرب وضد الحضارة الغربية وقد انتقد هذا التفكير الباحث الأمريكي جون اسبوزيتو حيث كتب يصف مثل هذه الكتابات بأنها تقوم على"الطرح الانتقائي والتحليلات المتعلقة بالإسلام وتطورات الأحداث في العالم الإسلامي ..بأنها تفشل في توضيح القصة بكاملها وفي أن تعطي الصورة المتكاملة للتوجهات الإسلامية… ونتيجة لذلك فإن الإسلام وحركة التجديد يتم تبسيطهما بسهولة في تلك القوالب البسيطة والفجة التي تصور الإسلام بأنه ضد الغرب وبأنه صراع الإسلام ضد التقدم أو الغضبة الإسلامية والتطرف والتشدد والإرهاب (47) ."

موقف الحركات الإسلامية من الغرب والحضارة الغربية

يزعم لويس أن"عداء الأصولية يتركز ضد عدوين هما العلمانية والتحديث، وأن الحرب ضد العلمانية حرب صريحة وواعية، أما الحرب ضد التحديث ففي معظمها ليست واعية ولا صريحة وموجهة ضد عملية التغيير بكاملها التي حدثت في العالم الإسلامي في القرن الأخير، وحولت البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للبلاد الإسلامية"، ويؤكد لويس أن الغرب هو مصدر هذا التغيير ولما كانت أمريكا هي زعيمة الغرب فإن الكراهية والغضب يوجهان إليها. ويرى لويس أن نوبة الغضب والحركة التي يواجهها الغرب تجاوزت بكثير مستوى القضايا والسياسيات والحكومات التي تمارسها ولا بد أن هذا الأمر لا يقل عن صدام حضاري. وينصح لويس الغرب أن يقوم بدراسة الإسلام تاريخًا وتراثًا وحاضرًا وعلى المسلمين أن يفعلوا الشيء نفسه بالنسبة للحضارة الغربية ومن ثم يختارون (48) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت