إن المعرفة التجريبية هي التي أخذت مفهوم العلم ولكن الفلسفة ليست إلا افتراضات خارج دائرة التجريب تحاول أن تصطنع الأسلوب العلمي في النظر والاستدلال. ولا تخلو من الأهواء والمطامع. وهي حين تحاول أن تنقل التجريب إلى عالم النفس والإنسانيات والأخلاق تتعثر وتخطئ. فإن مفاهيم الاجتماع والنفس والتربية والأخلاق لا تخضع للتجريب؛ لاختلاف النفوس والطبائع والبيئات والعصور، ولكن العلوم المادية تخضع لذلك. وكل ما يقال عنه في هذا المجال أنه علم فهو فلسفة. والفلسفة المعاصرة حسية مادية واقعية لا تعترف مطلقًا بغير ما يقع تحت التجربة من محسوس وملموس. ولذلك فهي تنكر العوالم الغيبية التي أصبح العلم يعترف بها. وهي تنكر الوحي والألوهية والنبوة والبعث والجزاء والأديان والكتب المنزلة. وهي لذلك قاصرة عن فهم أبعاد الحياة والوجود التي يعرفها المؤمن بالله، ومن أجل ذلك فقد اختفت في صياغة حياة ناجحة أو نافعة؛ لأنها عجزت عن العطاء الأخلاقي الذي يشكل الوازع النفسي. وقد جاء هذا النقص نتيجة الغلو في النظرة المحسوسة والتجارب الآلية والرياضية -كما يقول الدكتور محمد البهي- لأن هذا الغلو ركز القيمة كل القيمة فيما يدركه الحس وينشأ عن التجارب المادية، ولذا ألغى اعتبار المثل والقيم الرفيعة في حياة الإنسان كما ألغى رسالة الدين في توجيه الناس نحو الله.
ولقد حاول العلم الإدعاء وتحاول الفلسفة الإدعاء باسم العلم اليوم، إنها ستقضي على الدين ولكن كل الدلائل تؤكد زيف هذا الإدعاء، إن العلم سوف يعجز عن القضاء على الدين، بل إنه سوف يؤكد وجود الدين، وإذا كان الدين الحق لا يفسر ظواهر الكون كالعلم فإنه يضع الإطار الأخلاقي للحياة ويرسم منهج العلاقة بين الله والإنسان. والإسلام هو الذي أقام للعم منهجه التجريبي ووضع له آدابه وقيمه من حيث حرية البحث وكرامة العلماء وسمو الغاية وبعدها عن التدمير والشر.
وخطأ الفلسفة في نظرتها إلى الدين يرجع إلى أنها تظن أنها تصلح بديلًا له في تفسير أمور الطبيعة والحياة. كما أنها تتجاوز حدود الحق حين ترى أن الدين الحق عائق عن التطور.
ولقد توزعت الفلسفة بين اتجاه مادي واتجاه عقلي واتجاه روحي، في محاولة استخدام العقل في فهم الكون والطبيعة وعجز العقل، ولم يحقق هذا التمزق شيئًا؛ فإن الاتجاه المادي يرى أن العالم لم يزل موجودًا بنفسه وبلا صانع. والاتجاه العقلي يرى أن مشاكل ما وراء الطبيعة والأخلاق والدنيا والآخرة إنما يحلها العقل بأقيسته= وبراهينه، والاتجاه الروحي يعتمد على الحدس أو الإلهام وحده، بينما الاتجاه الإسلام إنما يقوم على مفهوم جامع شامل متكامل فيه العقل والقلب، والمادة والروح، وهو يتمثل الإنسان نفسه الجامع بينهما، فيكون أصدق نظرة وأعمق فهمًا.
ولقد أكد الباحثون في الفلسفة أنفسهم: أن أي فلسفة مثالية أو مادية، روحية أو عقلية لم تصل إلى ما وصل إليه الإسلام من تحرير عقل الإنسان وتحطيم أغلاله الموروثة؛ فهو يخاطب العقل والقلب معًا، وقد أكد وحدانية الله وكرامة الإنسان: والقرآن يدعو إلى أسهل العقائد وأقلها غموضًا وأبعدها عن التقليد بالمراسم والطقوس وأكثرها تحررًا من الوثنية الكهنوتية؛ فقد أبطل القرآن سلطان الأحبار والرهبان والوسطاء بين العبد والرب، ولم يفرض على الإنسان قربانًا يسعى به إلى المحراب بشفاعة من ولي ولا ترجمان بين الله وعباده يملك التحليل والتحريم والغفران ويقضي بالحرمان أو النجاة. والخطاب أيما يتجه في القرآن إلى عقل الإنسان حرًا طليقًا من سلطان الهياكل والمحاريب وسلطان كهنتها وسدنتها، وكل هذا من شأنه أن ينمي في الفرد الإحساس بالمسئولية ويفتح بضميره منفذًا واسعًا إلى الألوهية يربطه بها ربطًا مباشرًا محكمًا يرفع كل حجر على وجدانه. ولقد علم القرآن أتباعه أن يواجهوا الحياة بواقعية ورباطة جأش لا مثيل لهما في الأديان الأخرى وحثهم على الإقبال عليها والزهد بها في آن واحد، مع توازن مدهش، لا تفريط فيه ولا إفراط، شعاره الدين والدنيا.
"ليس بين الكتب التي توصف بالقداسة وتنسب إلى السماء كتاب كالقرآن: يدعو أتباعه على الدوام أن يكونوا أعزة أقوياء ولم يصلح في هذه الدعوة كتاب آخر كما أفلح القرآن"-دكتور محمد عبد الرحمن مرحبا.
وهكذا نرى أن النظر الفلسفي الخالص لا يمكن أن يكون أساسًا للفكر الإسلامي؛ ذلك أنه لا يمكن الوصول إلى الحقائق الأولية إلا عن طريق الوحي، والفلسفة ليست قرينة الوحي، ولا مناظرة له؛ فهي لا تزيد عن أن تكون استخدامًا للعقل.
الوثنية:
والظاهرة الواضحة الآن أن جميع الفلسفات المعاصرة تقوض دعائم الاعتقاد بوجود إله واحد بغض النظر عن البديل المقترح، فمنها مَن تقترح ألوهية المادة ومنها ألوهية الإنسان، ومنها ما يجعل الغريزة محور تفسير الوجود، وهدف الفلسفات الآن تدمير عقيدة التوحيد؛ لأنها العقيدة التي تحول دون سيطرة نفوذ المادية على مصير البشرية.
ويرى كثير من الباحثين أن تسلط النزعة المادية على الحضارة والفكر قد خلق وثنية جديدة أخطر من الوثنية التي جاء الإسلام للقضاء عليها. والوثنية هي عبادة المجسد. وهي اليوم عبادة المال وعبادة القوة وعبادة السلطان، وعبادة العلم وعبادة الحضارة وعبادة العبقرية وعبادة الكلمة وعبادة اللذة والترف والرفاهية. إن معنى الوثنية أن يخلق الإنسان إلهًا يعبده ويتخلى عن عبادة الله الحق، إن التلمودية اليهودية قد سيطرت على الفكر الغربي فنقلته من عبادة الله إلى عبادة العجل الذهبي"المال"وسيطرت لبناء إمبراطورية الربا.
إن العلم الذي هو معبود الغرب اليوم لم يستطع أن يقدم للبشرية حلًا لأزماتها ومشاكلها فيما سوى المتاع المادي، أما النفس الإنسانية فإنها تواجه أزمة خطيرة حانقة هي أزمة الضياع والتمزق والانهيار. العالم ليس مادة فقط وليس علمًا وعقلًا فقط ولكنه إلى ذلك روح ووجدان وقلب وعاطفة.
لقد تبين أن الإنسان عاجز عن أن يقدم لنفسه الحلول الملائمة لمشاكل النفس ومشاكل الحياة الاجتماعية؛ وإنما يحتاج دائمًا أن تقدم له هذه الحلول من جهة أعلى من عقله وقدرته وأسمى من أهوائه ومطامعه. ولن يكون ذلك إلا عن طريق الدين الحق.
يقول هارولد لاسكي:"عالم اليوم يعاني الشعور بخيبة الأمل، إن جيلنا فقد قيمه، لقد حل"الشك"السافر محل"اليقين"واليأس محل الأمل، ويبدو أن الاتجاهات الحديثة في الفن والأدب والموسيقا لا تعترف بالتراث الذي أبدع روائع الماضي، وأن الحرب قد سددت ضربتها القاضية للمعتقدات الدينية التي كانت مقياسًا دائمًا للسلوك، لقد انتصرت روح الإنكار على روح اليقين. إن منهج الغرب في الحياة قد وضع في بوتقة الانصهار. في مقدور هذا العلم أن يتيح الرفاهية المادية ولكنه يبدو عاجزًا عن اكتشاف مبادئ الرضا الروحي. ومنذ قرن مضى كان في مقدور الدين أن يتيح للكثيرين الأمل في تعويض ما نالهم من الحياة وذلك في الحياة الأخرى، أما الآن فقد أطفأ العلم أنوار السماء ولا طريق للخلاص إلا في ظل الحاضر العاجل".