المسافة عند مفرق الطريق قد لا تبدو كبيرة . فهو في كلتا الحالتين سيدخل المعركة حتمًا . ولكنها في نهاية الطريق تبدو هائلة شاسعة , تغير المشاعر والمفهومات الإسلامية تغييرا كبيرا . . خطيرا . .
إن هناك مسافة هائلة بين اعتبار الإسلام منهجًا إلهيًا , جاء ليقرر ألوهية الله في الأرض , وعبودية البشر جميعًا لإله واحد , ويصب هذا التقرير في قالب واقعي , هو المجتمع الإنساني الذي يتحرر فيه الناس من العبودية للعباد , بالعبودية لرب العباد , فلا تحكمهم إلا شريعة الله , التي يتمثل فيها سلطان الله , أو بتعبير آخر تتمثل فيها ألوهيته . . فمن حقه إذن أن يزيل العقبات كلها من طريقه , ليخاطب وجدان الأفراد وعقولهم دون حواجز ولا موانع مصطنعة من نظام الدولة السياسي , أو أوضاع الناس الاجتماعية . . إن هناك مسافة هائلة بين اعتبار الإسلام على هذا النحو , واعتباره نظامًا محليًا في وطن بعينه . فمن حقه فقط أن يدفع الهجوم عليه في داخل حدوده الإقليمية !
هذا تصور . . وذاك تصور . . ولو أن الإسلام في كلتا الحالتين سيجاهد . . ولكن التصور الكلي لبواعث هذا الجهاد وأهدافه ونتائجه , يختلف اختلافًا بعيدًا , يدخل في صميم الاعتقاد كما يدخل في صميم الخطة والاتجاه .إن من حق الإسلام أن يتحرك ابتداء . فالإسلام ليس نحلة قوم , ولا نظام وطن , ولكنه منهج إلهي , ونظام عالم . . ومن حقه أن يتحرك ليحطم الحواجز من الأنظمة والأوضاع التي تغل من حرية"الإنسان"في الاختيار . وحسبه أنه لا يهاجم الأفراد ليكرههم على اعتناق عقيدته . إنما يهاجم الأنظمة والأوضاع ليحرر الأفراد من التأثيرات الفاسدة , المفسدة للفطرة , المقيدة لحرية الاختيار .
من حق الإسلام أن يخرج"الناس"من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . . ليحقق إعلانه العام بربوبية الله للعالمين , وتحرير الناس أجمعين . . وعبادة الله وحده لا تتحقق - في التصور الإسلامي وفي الواقع العملي - إلا في ظل النظام الإسلامي . فهو وحده النظام الذي يشرع الله فيه للعباد كلهم . حاكمهم ومحكومهم . أسودهم وأبيضهم . قاصيهم ودانيهم . فقيرهم وغنيهم تشريعًا واحدًا يخضع له الجميع على السواء . . أما في سائر الأنظمة , فيعبد الناس العباد , لأنهم يتلقون التشريع لحياتهم من العباد . وهو من خصائص الألوهية . فأيما بشر ادعى لنفسه سلطان التشريع للناس من عند نفسه فقد ادعى الألوهية اختصاصًا وعملًا , سواء ادعاها قولًا أم لم يعلن هذا الادعاء ! وأيما بشر آخر اعترف لذلك البشر بذلك الحق فقد اعترف له بحق الألوهية سواء سماها باسمها أم لم يسمها !
والإسلام ليس مجرد عقيدة . حتى يقنع بإبلاغ عقيدته للناس بوسيلة البيان . إنما هو منهج يتمثل في تجمع تنظيمي حركي يزحف لتحرير كل الناس . والتجمعات الأخرى لا تمكنه من تنظيم حياة رعاياها وفق منهجه هو . ومن ثم يتحتم على الإسلام أن يزيل هذه الأنظمة بوصفها معوقات للتحرر العام . وهذا - كما قلنا من قبل - معنى أن يكون الدين كله لله . فلا تكون هناك دينونة ولا طاعة لعبد من العباد لذاته , كما هو الشأن في سائر الأنظمة التي تقوم على عبودية العباد للعباد !
إن الباحثين الإسلاميين المعاصرين المهزومين تحت ضغط الواقع الحاضر , وتحت الهجوم الاستشراقي الماكر , يتحرجون من تقرير تلك الحقيقة . لأن المستشرقين صوروا الإسلام حركة قهر بالسيف للإكراه على العقيدة . والمستشرقون الخبثاء يعرفون جيدًا أن هذه ليست هي الحقيقة . ولكنهم يشوهون بواعث الجهاد الإسلامي بهذه الطريقة . . ومن ثم يقوم المنافحون - المهزومون - عن سمعة الإسلام , بنفي هذا الاتهام ! فيلجأون إلى تلمس المبررات الدفاعية ! ويغفلون عن طبيعة الإسلام ووظيفته , وحقه في"تحرير الإنسان"ابتداء .
وقد غشى على أفكار الباحثين العصريين - المهزومين - ذلك التصور الغربي لطبيعة"الدين". . وأنه مجرد"عقيدة"في الضمير ; لا شأن لها بالأنظمة الواقعية للحياة . .
ومن ثم يكون الجهاد للدين , جهادًا لفرض العقيدة على الضمير !
ولكن الأمر ليس كذلك في الإسلام . فالإسلام منهج الله للحياة البشرية . وهو منهج يقوم على إفراد الله وحده بالألوهية - متمثلة في الحاكمية - وينظم الحياة الواقعية بكل تفصيلاتها اليومية ! فالجهاد له جهاد لتقرير المنهج وإقامة النظام . أما العقيدة فأمرها موكول إلى حرية الاقتناع , في ظل النظام العام , بعد رفع جميع المؤثرات . . ومن ثم يختلف الأمر من أساسه , وتصبح له صورة جديدة كاملة .
وحيثما وجد التجمع الإسلامي , الذي يتمثل فيه المنهج الإلهي , فإن الله يمنحه حق الحركة والانطلاق لتسلم السلطان وتقرير النظام . مع ترك مسألة العقيدة الوجدانية لحرية الوجدان . . فإذا كف الله أيدي الجماعة المسلمة فترة عن الجهاد , فهذه مسألة خطة لا مسألة مبدأ . مسألة مقتضيات حركة لا مسألة مقررات عقيدة . وعلىهذا الأساس الواضح يمكن أن نفهم النصوص القرآنية المتعددة , في المراحل التاريخية المتجددة . ولا نخلط بين دلالالتها المرحلية , والدلالة العامة لخط الحركة الإسلامية الثابت الطويل .
ولقد جاء الإسلام - كما سبق في التعريف بالسورة - ليكون إعلانًا عامًا لتحرير"الإنسان"في"الأرض"من العبودية للعباد - ومن العبودية لهواه أيضًا وهي من العبودية للعباد - وذلك بإعلان ألوهية الله وحده - سبحانه - وربوبيته للعالمين . . وأن معنى هذا الإعلان:الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها , والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض , الحكم فيه للبشر في صورة من الصور . . . الخ .
ولا بد لتحقيق هذا الهدف الضخم من أمرين أساسيين:
أولهما:دفع الأذى والفتنة عمن يعتنقون هذا الدين , ويعلنون تحررهم من حاكمية الإنسان , ويرجعون بعبوديتهم لله وحده , ويخرجون من العبودية للعبيد في جميع الصور والأشكال . . وهذا لا يتم إلا بوجود عصبة مؤمنة ذات تجمع حركي تحت قيادة تؤمن بهذا الإعلان العام , وتنفذه في عالم الواقع , وتجاهد كل طاغوت يعتدي بالأذى والفتنة على معتنقي هذا الدين , أو يصد بالقوة وبوسائل الضغط والقهر والتوجيه من يريدون اعتناقه . .
وثانيهما:تحطيم كل قوة في الأرض تقوم على أساس عبودية البشر للبشر - في صورة من الصور - وذلك لضمان الهدف الأول , ولإعلان ألوهية الله وحدها في الأرض كلها , بحيث لا تكون هناك دينونةإلا لله وحده - فالدين هنا بمعنى الدينونة لسلطان الله - وليس هو مجرد الاعتقاد . .
ولا بد هنا من بيان الشبهة التي قد تحيك في الصدور من هذا القول , على حين أن الله سبحانه يقول: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) . .