"وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللهُ أَنْزَلَ كَلَامًا لَا مَعْنَى لَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ وَجَمِيعُ الْأُمَّةِ لَا يَعْلَمُونَ مَعْنَاهُ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ يَقُولُهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَهَذَا الْقَوْلُ يَجِبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ خَطَأٌ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ هَذَا تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ لَا يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ ، أَوْ كَانَ لِلتَّأْوِيلِ مَعْنَيَانِ يَعْلَمُونَ أَحَدَهُمَا وَلَا يَعْلَمُونَ الْآخَرَ ، وَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الرَّسُولَ كَانَ لَا يَعْلَمُ مَعْنَى الْمُتَشَابِهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ كَانَ هَذَا الْإِثْبَاتُ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ النَّفْيِ ، فَإِنَّ الدَّلَائِلَ الْكَثِيرَةَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ السَّلَفِ ، عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْقُرْآنِ مِمَّا يُمْكِنُ عِلْمُهُ وَفَهْمُهُ وَتَدَبُّرُهُ ، وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ ، وَلَيْسَ مَعَنَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ لَا يَعْلَمُونَ تَفْسِيرَ الْمُتَشَابِهِ ، فَإِنَّ السَّلَفَ قَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ ، مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ - مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِ - وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَنَقَلُوا ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَّهُ قَالَ:"أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ"وَقَوْلُ أَحْمَدَ فِيمَا كَتَبَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ ، فِيمَا شَكَّتْ فِيهِ مِنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَتَأَوَّلَتْهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ ، وَقَوْلُهُ عَنِ الْجَهْمِيَّةِ أَنَّهَا تَأَوَّلَتْ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنَ"