وأما موسى عليه السلام
فإن الله تعالى أيده بالعصا ، واليد البيضاء ، وتفجير الماء من الحجر ، وقال تعالى: وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا 19: 52 [1] ، ومقام المصطفى صلّى الله عليه وسلم فِي المناجاة أرفع ، فإن موسى عليه السلام ، إنما سمع الكلام والمناجاة على الطور ، ومحمد صلّى الله عليه وسلم سمع الكلام وقد أسرى به ، والملأ الأعلى فضله على الأرض.
فأما العصي الخشب الموات فإنّها تصير بإذن الله تعالى ثعبانا تتلقف إفك سحرة فرعون ، ثم تعود إلى معناها ، وخاصتها من مآرب موسى عليه السلام ، وقد أتى الله تعالى نبينا محمدا صلّى الله عليه وسلم أعجب من ذلك ، فإنه أشار بقضيب فِي يده يوم الفتح إلى الأصنام المشدودة بالرصاص شدا محكما إلى الكعبة فيما حولها ، وعدتها ثلاثمائة وستون صنما ، فكان إذا أشار إليها بالقضيب وقال: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ 17: 81 [2] سقط الصنم وتكسر جذاذا ، فكانت عصا موسى مسلطة على آلة آل فرعون ، وقضيب محمد صلّى الله عليه وسلم سلّط على ما اتخذته قريش آلهة ، وأين التسليط على الآلة ، من التسلط على الآلهة ؟
وأيضا فإن الله تعالى قال عن موسى عليه السلام: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ من سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى 20: 66 [3] فسلط عصاه على ذلك التخيل ، وقضيب رسول الله صلّى الله عليه وسلم تسلط على أمر حقيقي ، وأين الخيال من الحقيقة ؟
وقد حنّ لنبينا [محمد] [4] صلّى الله عليه وسلم الجذع اليابس ، وخار ، وهذا أعجب من حالات عصا موسى عليه السلام ، فإن موسى إنما جعل النّبات حيوانا غير ناطق ، ونبينا [محمد] [4] صلّى الله عليه وسلم جعل النبات حيوانا ناطقا ، فشارك موسى فِي قلب الأعيان على وجه أتم ، لأن الناطق أتم من غير الناطق ، وأبلغ فِي الأعجوبة إجابة الأشجار واجتماعها لدعوة رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما دعاها ، ورجوعها إلى أمكنتها بعد أن أمرها.
وكان من معجزات موسى عليه السلام ، أن يضرب بعصاه الحجر فينفجر منها اثنتا عشرة عينا بعدد الأسباط الاثنا عشر ، وقد أيد الله نبينا محمدا صلّى الله عليه وسلم من ذلك
[1] مريم: 52.
[2] الإسراء: 81.
[3] طه: 66.
[4] زيادة للسياق.