وأما إدريس عليه السلام
فإن الله تعالى قال فِي حقه: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا 19: 57 ، والعلوّ من الأمور النسبية ، فتارة يكون علوّ مكان ، وتارة وتارة يكون علوّ مكانة ، فعلوّ المكان:
مقام إدريس عليه السلام ، وهو على ما روى الفلك الرابع ، رفعه الله إليه.
وأما علو المكانة: فهو الّذي خص الله تعالى به المقام المحمدي ، قال تعالى:
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَالله مَعَكُمْ 47: 35 [1] ، فهو سبحانه وتعالى [منّزه] عن المكان لا عن المكانة ، وعلو المكانة أجلّ من علو [المكان] [2] ، وقد خصّ الله سبحانه نبينا محمدا صلّى الله عليه وسلم من علو المكانة بما لم ينله أحد غيره ، قال تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ 94: 4 [3] ، فرفع الله تعالى ذكره صلّى الله عليه وسلم فِي الدنيا والآخرة ، فليس خطيب ولا صاحب صلاة إلا ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فقرن تعالى اسمه الكريم باسمه صلّى الله عليه وسلم فِي توحيده والشهادة بربوبيته ، فِي مشارق الأرض ومغاربها ، وجعل ذلك مفتاحا للصلوات المفروضات.
روى [عن] [4] ابن لهيعة ، عن دراج عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه فِي قوله تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ 94: 4 [5] قال: قال لي جبريل عليه السلام: قال الله: إذا ذكرت ذكرت معي. وقال عثمان بن عطاء الزهري ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما فرغت مما أمرني الله به من أمر السماوات والأرض قلت: يا رب ، إنه لم يكن نبي قبلي إلا قد كرّمته ، جعلت إبراهيم خليلا ، وموسى كليما ، وسخرت لداود الجبال ، ولسليمان الريح والشياطين ، وأحييت لعيسى الموتى ، فما جعلت لي ؟ قال: أو ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله ؟ أن لا أذكر إلا ذكرت معي ، وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرءون ظاهرا ، ولم أعطها أمة ، وأنزلت عليك كلمة من كنوز عرشي (لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم) .
[1] محمد: 35.
[2] زيادة للبيان.
[3] الشرح: 4.
[4] زيادة للسياق.
[5] الشرح: 4.