وأين الصبر على مقدمات جز المنحر بالمدية ، من الصبر على شق الصدر وإخراج القلب وشقه ، فإن صبر الذبيح إنما كان على ما أصابه من صورة القتل لا على فعله ، وصبر المصطفى صلّى الله عليه وسلم إنما كان على مقاتل عدوه ، ولكن انخرقت العادة ببقاء الحياة ، وأدل دليل على مقاساته صلّى الله عليه وسلم الألم فِي شق صدره قوله: فأقبل وهو ممتقع اللون أو منتقع اللون ، ومعناه أنه صار كلون النقع ، وهو الغبار ، وهو شبيه بلون الأموات ، هذا يدل على غاية المشقة ، فكان ابتلاؤه صلّى الله عليه وسلم بشق الصدر وما معه أعظم من ابتلاء الذبيح بما ذكر عنه باعتبارين:
أحدهما: أنه ابتلي بذلك فصبر عليه وهو طفل صغير منفرد عن أمه ويتيم من أبيه.
والآخر: مقاساة حقيقة الشق للصدر والقلب ، وغاية ما ابتلى به الذبيح التعريض بذبحه وبين المقامين فِي الصبر بون بعيد فتأمله.
وأمر آخر: وهو أن الذبيح توطنت نفسه على ما انتابه بقوله أبيه: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ 37: 102 [1] ، والرسول صلّى الله عليه وسلم فجئه ذلك البلاء العظيم على غفلة ، فإنه أختطف من الأطفال وفعل به ما فعل ، وأين حال من هو مع أبيه وقد أنذره بما يفعل به ، ممن يختطفه من لا يعرفه ، وينزل به ذلك البلاء العظيم ، فإن البغتة أشد على النفس ، والفجاءة أقوى رعبا.
[1] الصافات: 102.