وأما إبراهيم عليه السلام
فإن الله تعالى اختصه بمقام الخلّة ، فقال تعالى: وَاتَّخَذَ الله إِبْراهِيمَ خَلِيلًا 4: 125 [1] ، وكسّر عليه السلام أصنام قومه التي كانت آلهتم التي يعبدونها من دون الله غضبا لربه تعالى ، وحجبه من نمروذ بحجب ثلاثة ، وقصم عليه السلام نمروذ ببرهان نبوته فبهته ، وبنى عليه السلام البيت.
وقد آتى الله تعالى نبينا محمدا صلّى الله عليه وسلم ذلك كله بمزيد شرف وأجل تكريم ، فالخلة مقامه صلّى الله عليه وسلم ، فيها أكمل مقام ، ثبت من طرق عديدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن صاحبكم خليل الله. وقد ثبت فِي صحيح مسلم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة ، ومن طريق أبي مالك عن ربعي بن خراش ، عن حذيفة قالا: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم يجمع الله الناس فيقوم المؤمنون حتى يزلف لهم الجنة ، فيأتون آدم عليه السلام فيقولون: يا أبانا ، استفتح لنا الجنة ، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم ؟ لست بصاحب ذلك ، اذهبوا إلى أبيكم إبراهيم خليل الله ، قال: فيقول إبراهيم عليه السلام: لست بصاحب ذلك ، إنما كنت خليلا من وراء وراء ، اعمدوا إلى موسى الّذي كلمه الله تكليما ، فيأتون موسى عليه السلام ، فيقول: لست بصاحب ذلك ، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه ، فيقول عيسى عليه السلام: لست [بصاحب] [2] ذلك ، فيأتون محمدا صلّى الله عليه وسلم فيقوم ، فيؤذن له [3] ... وهذا يدل على أنه صلّى الله عليه وسلم أعطى [أعلى من] مقام الخلة ، لأنه رفع له الحجاب ، وكشف له الغطاء ، ولو كان خليلا من وراء وراء ، لاعتذر كما اعتذر إبراهيم عليه السلام ، فإذا منصب المصطفى صلّى الله عليه وسلم هو [الأعلى] ، من مفهوم قول إبراهيم عليه السلام: إنما كنت خليلا من وراء وراء ولم يشفع ، فدلّ [على] أنه إنما يشفع من كان خليلا لا من وراء وراء ، مع الكشف والعيان ، وقرب المكانة من حضرة القدس لا المكان ، وذلك مقام المصطفى صلّى الله عليه وسلم.
[1] النساء: 125.
[2] زيادة للسياق.
[3] سبق تخريجه وشرحه.