الصَّالِحِ ، وَلَكِنَّهَا فِي أَوَاخِرِهَا تُبَيِّنُ مَحَلَّ الدَّعْوَةِ وَالْفَرْقِ ، وَهُوَ أَنَّنَا مُسْلِمُونَ مُخِلِصُونَ وَأَنَّهُ طَرَأَ عَلَيْهِمُ الِانْحِرَافُ فَاتَّخَذُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَرْبَابًا يُحِلُّونَ وَيُحَرِّمُونَ ، وَيُشَرِّعُونَ لَهُمْ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ ، وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مُخْلِصِينَ وَلَا مُسْلِمِينَ فِي أَعْمَالِهِمْ; وَهَذَا شَيْءٌ لَا يُنْكِرُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ الْحَقِيقِيِّ وَالتَّارِيخِ مِنْهُمْ ، بَلْ يَقُولُونَ: لَوْلَا الِانْحِرَافُ وَالشَّرَائِعُ الَّتِي زَادُوهَا وَسَمَّوْهَا بِالطُّقُوسِ وَبِأَسْمَاءَ أُخْرَى لَمَا ضَعُفَتْ أَخْلَاقُهُمْ ، وَمَرِضَتْ قُلُوبُهُمْ وَانْحَلَّتْ جَامِعَتُهُمْ ، حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ فِيهِمْ مَا كَانَ . وَقَدْ طَرَأَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَنِ اتَّبَعُوا سَنَنَهُمْ مِنَّا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ، مَعَ أَنَّ أَصْلَ الدِّينِ عِنْدَنَا قَدْ حُفِظَ بِعِنَايَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِثْلُهَا ، وَصِرْنَا فِي حَاجَةٍ إِلَى مَنْ يَدْعُونَا إِلَى إِقَامَةِ الْأَصْلِ كَمَا دَعَاهُمْ دَاعِي الْإِسْلَامِ ، لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُدْعَى إِلَيْهِ الْجَمِيعُ مَوْجُودٌ مَحْفُوظٌ كَمَا هُوَ لَا يَنْقُصُ الْجَمِيعَ إِلَّا إِقَامَتُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي اتَّخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي عَصْرِنَا آلَةَ لَهْوٍ وَسِلْعَةَ تِجَارَةٍ ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَدْعُونَ إِلَى إِقَامَتِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يُصَرِّحُ بِتَحْرِيمِ الْعَمَلِ بِهِ وَيُسَمِّي ذَلِكَ اجْتِهَادًا ، وَالِاجْتِهَادُ عِنْدَهُمْ مَمْنُوعٌ ، فَقَدْ مَنَعُوا الْقُرْآنَ بِشُبْهَةٍ سَخِيفَةٍ وَهِيَ مَنْعُ الْعِلْمِ الِاسْتِدْلَالِيِّ ،