الْأَعْمَالِ وَانْتِظَامِ الْأَحْوَالِ ، وَأَعْظَمُ قِسْمٍ فِي الْأُمَّةِ هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ بِحُكْمِ الضَّرُورَةِ ، بَلْ هُوَ الْأُمَّةُ كُلُّهَا بِالتَّقْرِيبِ ، وَقَدْ صَارَ بِيَدِهِ زِمَامُ جَمِيعِ أُمُورِهَا وَقُوَّةُ الْحُكْمِ فِيهَا; إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَيَسَّرَ لِهَذَا الْقِسْمِ الثَّانِي ، وَهُوَ خَلْوٌّ مِنَ الْعِلْمِ بِحَالِهَا ، وَدُونَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الْعَقْلِ ، وَفَوْقَهُ فِي الْغَبَاوَةِ وَالْجَهْلِ ، أَنْ يَقُودَ وَاحِدًا مِنْهَا ، بَلْهَ قِيَادَتَهَا كُلَّهَا ؟ فَهَلْ يَتَّفِقُ مِثْلُ هَذَا لِلْخَلَفِ ، مَعَ شَيْءٍ مِنْ سُنَّةِ السَّلَفِ ؟ أَلَا عَاقِلٌ يَقُولُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشَعْوِذِينَ: كَيْفَ سَاغَ فِي عُقُولِكُمْ أَنْ يُسَلَّمَ إِلَى الْجَاهِلِ قِيَادَةُ الْعَاقِلِ ؟ وَكَيْفَ يَتَيَسَّرُ حِفْظُ الدِّينِ بِالْعُدُولِ عَنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ ، وَمُخَالَفَةِ سَيْرِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ ؟
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى) إِلَخْ ، أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (17: 34) وَ (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى) (4: 10) الْآيَةَ . انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ لَهُ الشَّيْءُ مِنْ طَعَامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسَدَ ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللهُ (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى) الْآيَةَ . ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ .