الْخَيْرِيَّةِ ، فَقَالَ مَا مِثَالُهُ: إِنَّ الْأُمَّةَ الْمُؤَلَّفَةَ مِنْ مِلْيُونٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَتْ تَبْذُلُ مِنْ فَضْلِ مَالِهَا فِي مَصَالِحِهَا الْعَامَّةِ ، كَإِعْدَادِ الْقُوَّةِ وَتَرْبِيَةِ النَّابِتَةِ عَلَى مَا يُؤَهِّلُهَا لِاسْتِعْمَالِهَا وَيُقَرِّرُ الْفَضِيلَةَ فِي أَنْفُسِهَا تَكُونُ أَعَزَّ وَأَقْوَى مِنْ أُمَّةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنْ مِائَةِ مِلْيُونٍ لَا يَبْذُلُونَ شَيْئًا مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ; ذَلِكَ بِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنَ الْأُمَّةِ الْأُولَى يُعَدُّ بِأُمَّةٍ; لِأَنَّ أُمَّتَهُ عَوْنٌ لَهُ ، تُعِدُّهُ جُزْءًا مِنْهَا وَيُعِدُّهَا كُلًّا لَهُ; وَالْأُمَّةُ الثَّانِيَةُ كُلُّهَا لَا تُعَدُّ بِوَاحِدٍ; لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا (أَيْ أَفْرَادِهَا) يَخْذُلُ الْآخَرَ وَيَرَى أَنَّ حَيَاتَهُ بِمَوْتِهِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ . وَفِي الْحَقِيقَةِ إِنَّ مِثْلَ هَذَا الْجَمْعِ لَا يُسَمَّى أُمَّةً; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ يَعِيشُ وَحْدَهُ وَإِنْ كَانَ فِي جَانِبِهِ أَهْلُ الْأَرْضِ ، فَهُوَ لَا يَتَّصِلُ بِمَنْ مَعَهُ لِيَمُدَّهُمْ وَيَسْتَمِدَّ مِنْهُمْ ، وَيَتَعَاوَنَ الْجَمِيعُ عَلَى حِفْظِ الْوَحْدَةِ الْجَامِعَةِ لَهُمُ الَّتِي تُحَقِّقُ مَعْنَى الْأُمَّةِ فِيهِمْ . وَإِنَّهُ لَمْ تَنْهَضْ أُمَّةٌ وَلَا مِلَّةٌ إِلَّا بِمَثَلِ هَذَا التَّعَاوُنِ ، وَهُوَ مُسَاعَدَةُ الْغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ ، وَإِعَانَةُ الْقَوِيِّ لِلضَّعِيفِ ، وَبَذْلُ الْمَالِ ، وَالْعِنَايَةُ فِي حِفْظِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ; بِهَذَا ظَهَرَ الْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ وَكَانَتْ لَهُمُ السِّيَادَةُ ، وَبِتَرْكِ هَذَا انْحَلَّتِ الْأُمَمُ الْكَبِيرَةُ ، وَفَقَدَتِ الْمُلْكَ وَالسَّعَادَةَ .