وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ وَلَدَهُ يُنَشَّأُ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى أَخْلَاقِ أَهْلِهَا ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الْمُشْرِكِينَ} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ} .
فَإِنْ قِيلَ: مَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} مُخَصِّصًا لِقَوْلِهِ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قَاصِرًا لِحُكْمِهِ عَلَى الذِّمِّيَّاتِ مِنْهُنَّ دُونَ الْحَرْبِيَّاتِ ؟ قِيلَ لَهُ: الْآيَةُ إنَّمَا اقْتَضَتْ النَّهْيَ عَنْ الْوِدَادِ ، وَالتَّحَابِّ ، فَأَمَّا نَفْسُ عَقْدِ النِّكَاحِ فَلَمْ تَتَنَاوَلْهُ الْآيَةُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَصِيرُ سَبَبًا لِلْمُوَادَّةِ ، وَالتَّحَابِّ ،
فَنَفْسُ الْعَقْدِ لَيْسَ هُوَ الْمُوَادَّةَ ، وَالتَّحَابَّ إلَّا أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ فَاسْتَحْسَنُوا لَهُ غَيْرَهُنَّ.
فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا قَالَ عَقِيبَ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ: {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلَى النَّارِ} دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ حَرَّمَ نِكَاحَهُنَّ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي نِكَاحِ الْكِتَابِيَّاتِ الذِّمِّيَّاتِ ، وَالْحَرْبِيَّاتِ مِنْهُنَّ ، فَوَجَبَ تَحْرِيمُ نِكَاحِهِنَّ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ كَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ.