و «كان» على هذا الرأي - أيضا - على بابها من المضي والانقضاء، ولا تحتاج على هذا الرأي إلى تقدير كلام محذوف، وهو ثم اختلفوا فبعث .. إلخ.
ومن العلماء الذين رجحوا القول الأول الإمام ابن كثير فقد قال: عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين .. وهكذا قال قتادة ومجاهد. وقال العوفى عن ابن عباس (كان الناس أمة واحدة) يقول كانوا كفارا (فبعث الله النبيين) والقول الأول عن ابن عباس وهو أصح سندا ومعنى لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحا - عليه السلام - فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
أما الرأي الثالث فقد قرره الإمام القرطبي بقوله: ويحتمل أن تكون «كان» للثبوت، والمراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق، لولا منّ الله عليهم وتفضله بالرسل إليهم. فلا يختص «كان» على هذا التأويل بالمضي فقط، بل معناه معنى قوله: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً.
وهذا الرأي قد اختاروه الأستاذ الإمام محمد عبده في تفسيره للآية الكريمة ووافقه عليه بعض العلماء الذين كتبوا في تفسير هذه الآية. قال الأستاذ الإمام ما ملخصه.
«خلق الله الإنسان أمة واحدة أي مرتبطا بعضه ببعض في المعاش لا يسهل على أفراده أن يعيشوا في هذه الحياة الدنيا إلا مجتمعين يعاون بعضهم بعضا، فكل واحد منهم يعيش ويحيا بشيء من عمله لكن قواه النفسية والبدنية قاصرة عن توفير جميع ما يحتاج إليه، فلا بد من انضمام قوى الآخرين إلى قوته ... وهذا معنى قولهم: «الإنسان مدني بطبعه» يريدون بذلك أنه لم يوهب من القوى ما يكفى للوصول إلى جميع حاجاته إلا بالاستعانة بغيره ..
ولما كان الناس كذلك كان لا بد لهم من الاختلاف بمقتضى فطرهم، وكان من رحمة الله أن يرسل إليهم مبشرين ومنذرين.
وترتيب بعثة الرسل على وحدة الأمة في الآية التي نفسرها يكون على هذا المعنى: