وَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ ظَاهِرٍ ؛ فَإِنَّ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى الْمَنْعِ الْمُطْلَقِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ لَفْظِ الْقِتَالِ فِيهَا عَامًّا ، وَرُبَّمَا كَانَتْ دَلَالَةُ النَّكِرَةِ فِيهَا أَدَلَّ عَلَى إِطْلَاقِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ قِتَالٍ فِي جِنْسِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَعْنَى تَنْكِيرِهَا وَكَوْنِهِ لِلتَّنْوِيعِ ، وَلَهُمْ فِي الْآيَةِ كَلَامٌ كَثِيرٌ ، وَالظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ أَنَّ إِثْبَاتَ كَوْنِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ كَبِيرًا تَمْهِيدٌ لِلْحُجَّةِ عَلَى أَنَّ مَا فَعَلَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ وَمَا عَسَاهُ يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْقِتَالِ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ لَا يُنْكِرُهَا عَقْلٌ ، وَهِيَ وُجُوبُ ارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِتَالَ فِي نَفْسِهِ أَمْرٌ كَبِيرٌ وَجُرْمٌ عَظِيمٌ ، وَإِنَّمَا يُرْتَكَبُ لِإِزَالَةِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَصَدٌّ عَلَى سَبِيلِ اللهِ) أَيْ: وَصَدُّ النَّاسِ وَمَنْعُهُمْ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَيْهِ تَعَالَى وَهُوَ الْإِسْلَامُ ، وَهُوَ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْمُشْرِكُونَ مِنِ اضْطِهَادِ الْمُسْلِمِينَ وَفِتْنَتِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ; إِذْ يَقْتُلُونَ مَنْ يُسْلِمُ أَوْ يُؤْذُونَهُ فِي نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ ، وَيَمْنَعُونَهُ مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (وَكُفْرٌ بِهِ) أَيْ: بِاللهِ تَعَالَى (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أَيْ: وَصَدٌّ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ; وَهُوَ مَنْعُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْحَجِّ وَالِاعْتِمَارِ (وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ) وَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -