وَالْبُرْهَانِ دُونَ مُجَالَدَتِهِمْ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَّانِ ، رَجَاءَ أَنْ يَدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَيَتْرُكُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ
يَظْهَرُ مِنْ مَعْنَى (وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) مَا لَا يَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى
الَّذِي قَبْلَهُ وَيُفِيدُ قَوْلُهُ: (وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) أَنَّ قِيَاسَكُمْ جَمِيعَ الْكَافِرِينَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَتَوَقُّعَكُمْ أَنْ يُزَيَّنَ لَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ مَا زُيِّنَ لَكُمْ ، هُوَ مِنَ الْأَقْيِسَةِ الْبَاطِلَةِ ، فَإِنَّ الِاسْتِعْدَادَ فِي النَّاسِ يَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا عَظِيمًا ، فَمِنْهُمْ مَنْ سَاءَتْ خَلِيقَتُهُ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِرُوحِ الْحَقِّ مَنْفَذٌ إِلَى عَقْلِهِ ، وَلَا لِحُبِّ الْخَيْرِ طَرِيقٌ إِلَى قَلْبِهِ ، فَلَا تَنْفَعُ فِيهِ الدَّعْوَةُ ، وَلَا تُرْجَى لَهُ الْهِدَايَةُ وَمِثْلُ هَذَا الْفَرِيقِ فِي الْأُمَّةِ كَمَثَلِ الدَّمِ الْفَاسِدِ فِي الْجِسْمِ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُفْسِدُهُ ، وَلَمْ يَأْمُرِ اللهُ بِقِتَالِهِمْ إِلَّا رَحْمَةً بِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ أَنْ تَفْسُدَ بِهِمْ ، فَلَا يُقَاسُونَ عَلَى مَنْ سَلِمَتْ فِطْرَتُهُمْ وَحَسُنَتْ سَرِيرَتُهُمْ حَتَّى كَانَ وُقُوعُهُمْ فِي الْبَاطِلِ جَهْلًا مِنْهُمْ بِالْحَقِّ ، وَإِصَابَتِهِمْ بَعْضَ الشَّرِّ لِعَدَمِ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَيْرِ ، وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَا تَعْلَمُونَ كُنْهَ اسْتِعْدَادِ النَّاسِ وَلَا مَا يَكُونُ مِنْ أَثَرِهِ فِي مُسْتَقْبَلِهِمْ ، وَإِنَّمَا اللهُ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ ذَلِكَ فَامْتَثِلُوا أَمْرَهُ .