وَأَمَّا النُّسُكُ فَإِنَّ فِي أَخْبَارِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَنْسُكَ نَسِيكَةً، وَفِي بَعْضِهَا شَاةٌ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ أَدْنَاهُ شَاةً وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مُخَيَّرُ بَيْنِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ يَبْتَدِئُ بِأَيِّهَا شَاءَ، وَذَلِكَ مُقْتَضَى الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ
رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ وَأَوْ لِلتَّخْيِيرِ هَذَا حَقِيقَتُهَا وَبَابُهَا، إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى غَيْرِ هَذَا فِي الْإِثْبَاتِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوَاضِعَ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَوْضِعِ الْفِدْيَةِ مِنْ الدَّمِ وَالصَّدَقَةِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِمَوْضِعٍ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَصُومَ فِي أَيِّ مَوْضِعِ شَاءَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ:"الدَّمُ بِمَكَّةَ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ حَيْثُ شَاءَ".
وَقَالَ مَالِكٌ بْنُ أَنَسِ:"الدَّمُ وَالصَّدَقَةُ وَالصِّيَامُ حَيْثُ شَاءَ".
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ:"الصَّدَقَةُ وَالدَّمُ بِمَكَّةَ وَالصِّيَامُ حَيْثُ شَاءَ".