(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) فَالْعَطْفُ وَالتَّعْبِيرُ بِالْإِتْمَامِ ظَاهِرَانِ فِي أَنَّ السِّيَاقَ فِي الْكَلَامِ عَنِ الْحَجِّ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هُنَا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ كَمَا قَالَ فِي الصِّيَامِ ، وَقَدْ كَانَ الْحَجُّ مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ; لِأَنَّهُ فُرِضَ عَلَى عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فَأَقَرَّهُ الْإِسْلَامُ فِي الْجُمْلَةِ ، وَلَكِنَّهُ أَزَالَ مَا أَحْدَثُوا فِيهِ مِنَ الشَّرَكِ وَالْمُنْكَرَاتِ ، وَزَادَ فِيهِ مِنَ الْمَنَاسِكِ وَالْعِبَادَاتِ ، فَالْآيَةُ لَيْسَتْ فِي فَرْضِيَّتِهِ وَفَرْضِيَّةِ الْعُمْرَةِ ; بَلْ هِيَ فِي وَاقِعَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِمَا وَبِقَاصِدِيهِمَا ، وَقَدْ كَانُوا تَوَجَّهُوا إِلَى ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهَا بِعَامٍ - كَمَا تَقَدَّمَ - فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوعِيَّةَ سَابِقَةٌ لِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ .
وَالْمُرَادُ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْإِتْيَانُ بِهِمَا تَامَّيْنِ ، ظَاهِرًا بِأَدَاءِ الْمَنَاسِكِ عَلَى وَجْهِهَا ، وَبَاطِنًا بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ دُونَ قَصْدِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ أَوِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ فِيهِمَا ، وَلَا يُنَافِي الْإِخْلَاصَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ إِذَا لَمْ تَكُنِ التِّجَارَةُ هِيَ الْمَقْصُودَةَ فِي الْأَصْلِ .
وَسَيَأْتِي التَّفْصِيلُ فِي حُكْمِ التِّجَارَةِ فِي الْحَجِّ فِي تَفْسِيرِ (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ)