وجوبهما ويؤده قراءة من قرا وأقيموا الحج والعمرة للَّه) ذهب إمامنا أبو حنيفة إلَى أن العمرة
ليست بواجبة، والشَّافعي قال إنها واجبة كالحج واستدل بعضهم بهذه الآية. لأن معنى أتموا
ائتوا بهما تامَّين. والأمر أصله للوجوب ويؤيده القراءة الأخرى؛ ولهذا قال المصنف وهو عَلَى
هذا يدل عَلَى وجوبهما الخ. وعلماؤنا أجابوا بأنه بيان لوجوب إتمام أفعالهما بعد الشروع
لهما، ولا ريب في وجوب إتمام التطوع بعد الشروع فيه من غير تعرض لحالهما في أنفسهما
من الوجوب وعدمه فإن قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ أَتمُّوا الصّيَامَ إلَى اللَّيْل) كما أنه
بيان لوجوب مد الصيام إلَى الليل من غير تعرض لوجوب أصله، وإنَّمَا هُوَ بقَوْلُه تَعَالَى:
(كُتبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ) الآية. كَذَلكَ وجوب الحج ثبت بقَوْلُه تَعَالَى:(وَللَّه
عَلَى النَّاس حجُّ الْبَيْت)الآية. وأما هذه الآية كما عرفت فلا دلالة عَلَى
وجوب أصلهما وعدمه، وأما قراءة وأقيموا الحج والعمرة فشاذة، فلا تقوم حجة وقد مَرَّ
الْكَلَام فيه في تفسير قَوْلُه تَعَالَى (إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ منْ شَعَائر اللَّه فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ)
الآية.
قوله: (وما روى جابر - رضي الله تَعَالَى عنه - «أنه قيل يا رسول الله العمرة واجبة مثل
الحج، فقال: لا ولكن إن تعتمر خير لك» فمعارض بما روي «أن رجلًا قال لعمر رضي الله
تعالى عنه، إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ أهللت بهما جميعًا، فقال: هديت لسنة
نبيك» ولا يقال إنه فسر وجد أنهما مكتوبين بقوله أهللت بهما فجاز أن يكون الوجوب بسَبَب
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
دلالته عَلَى وجوب العمرة يلزمه أن ينكر دلالته عَلَى وجوب الحج لأن الأمر بإتمامهما إن دل
على وجوب الحج دل عَلَى وجوب العمرة لا محالة وإلا فلا اللهم إلا أن يقال ما روي أنه قيل
يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج؟ قال"لا ولكن أن تعتمر خير لك. أخرج العمرة عن حكم"
الوجوب المُسْتَفَاد من الآية. فبقي الحج وحده واجبًا فهما بمنزلة قولك صم شهر رمضان وستة
من شوال في أنك تأمره بفرض وتطوع ولكن هذا إنما يصح لو ثبت سبق الْحَديث ليكون
الْحَديث قرينة عَلَى عدم قصد الوجوب في الآية. وأما إذا سبقت الآية ودلت عَلَى الوجوب فرفع
الوجوب بالْحَديث يكون نسخًا للكتاب بخبر الواحد وهو غير جائز وأجيب عنه بأن ذلك إنما
يلزم أن لو كان الْكتَاب دالًا عَلَى الوجوب وفيه النزاع. قال صاحب الكَشَّاف قإن قلت هل فيه
دليل عَلَى وجوب العمرة؟ قلت ما هُوَ إلا أمر بإتمامهما. ولا دليل في ذلك عَلَى كونهما واجبين
أو تطوعين فقد يؤمر بإتمام الواجب والتطوع جَميعًا إلا أن تقول الأمر بإتمامهما أمر بأدائهما
بدليل قراءة من قرأ (وَأَتمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّه) والأمر للوجوب في أصله إلا
أن يدل دليل عَلَى خلاف الوجوب كما دل في قوله: (فاصطادوا) فانشروا ونحو
ذلك فيقال لك فقد دل الدليل عَلَى نفي الوجوب وهو ما روي أنه قيل يا رسول الله العمرة
واجبة مثل الحج؟ قال لا ولكن أن تعمر خير لك. وعنه"الحج جهاد والعمرة تطوع".