وأما سائر المجتهدين فيقولون: هذا عام يدخل فيه الحاضر والمسافر إلا أن قوله {ومن كان مريضاً أو على سفرٍ} يخصصه ، وإن كان فِي أثناء الشهر فيوافق قول أبي حنيفة: إن المجنون إذا أفاق فِي أثناء الشهر لزمه قضاء ما مضى . قلت: لا حاجة إلى ارتكاب التجوز المذكور وهو إطلاق لفظ الشهر على جزء من أجزائه ، ولا يلزم منه المحال المذكور إذ المراد من شهد الشهر أجمع فليكن بحيث قد وجد منه الصوم فِي جميع أيامه ، أو المراد من عزم على كونه مقيماً فِي الشهر فليصمه . ويعلم منه أنه إن كان حاضراً فِي بعضه يتعلق إيجاب الصوم بذلك البعض فقط بدليل قوله {ومن كان مريضاً أو على سفرٍ} فإنه لما علم الوجوب للحاضر فِي كله والرخصة للمسافر فِي كله علم الحكمان جميعاً للحاضر فِي بعضه والمسافر فِي البعض الآخر ، فكل يوم مستقل بنفسه فيما يقتضيه ، والصوم فيه عبادة مستقلة ، وكأن ما نقل عن علي كرم الله وجهه أمر إلزامي رعاية لحرمة الشهر كما لو أدركت الحائض من أول الوقت قدر ما يسع تلك الصلاة ، وفي قول قدر ركعة ، وفي قول قدر تكبيرة ، لزمها قضاؤها إذا طهرت . وأما أن شهر رمضان بم يثبت حتى يعتبر الشهود فيه فقد قال صلى الله عليه وسلم"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاستكملوا العدة"يعني عدة شعبان ثلاثين يوماً . ومهما شهد عند القاضي عدل واحد أنه رأى الهلال ثبت لما روي عن عمر أنه رأى الهلال وحده فشهد عند النبي صلى الله عليه وسلم فأمر الناس بالصوم . ولما روي أن علياً عليه السلام شهد عنده رجل على رؤية هلال رمضان فصام وقال: صيام يوم من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان ، وللاحتياط فِي أمر العبادة . ولا يثبت الهلال فِي سائر الشهور إلا برؤية عدلين ، وعند أبي حنيفة: يثبت هلال رمضان فِي الغيم بواحد وفي الصحو تعتبر الاستفاضة . وإذا رؤي فِي موضع شمل الحكم لمن هو على ما دون مسافة القصر منه ولا يجب الصوم بذلك على من عداهم .