وهذا معنى قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: يقول: إنا أنزلناه فاتبع له، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه جبريل بعد هذا أطرق، فإذا ذهب فرأه كما وعده الله. وقال أيضًا: فاتبع قرآنه، واستمع له، وأنصت، قال: فإذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه. وعلى هذا أتبع قراءة جبريل بالاتباع. وعلى القول الأول: أتبع قراءته بقراءتك.
وذكر أبو علي في"المسائل الحلبية"هذه الآية فقال: قوله تعالى: {لَا تُحَرك بِهِ لِسَانَكَ} ، إنا سنحفظه عليك.
وهذا في المعنى مثل قوله: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114] ، وليس المراد بقوله: {جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} القرآن الذي هو اسم التنزيل، وإنما أضمر في قوله: {لَا تُحَرِك بِهِ لِسَانَكَ} ، وإن لم يجر له ذكر لدلالة الحال عليه، كما أضمر في قوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) } [القدر: 1] ، وإن كان أول سورة، ولم يجر له ذكر، وإذا كان الذكر المضاف إليه المصدر في قوله: (وقرآنه) راجعًا إلى التنزيل ثبت أن المصدر ليس عبارة عنه؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ألا ترى أنك لا تقول: رجلُ زيدٍ، وأنت تعني بـ: (رجل) زيدًا نفسه، وإنما أضيف المصدر إلى المفعول هاهنا: المعنى: جمعنا إياه، وقراءتنا إياه. وكذلك التقدير في قوله: {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} ، ومجاز الآية على قول أبي عبيدة: جمعه وتأليف بعضه إلى بعض، من قوله: (ما قرأت هذه الناقة سلا قط، أي إني لم تضم، ولم تجمع. وبيت عمرو بن كلثوم:
لم تَقْرَأ جَنِينا