والعجب منهم ، كيف يعتقدون أن كفرهم يخفى على عالم الغيب والشهادة ، ويجرونه مجرى المؤمنين في عدم اطلاعهم على كفرهم ونفاقهم؟ والمقصود أنهم مقيمون على الكذب ، قد تعودوه حتى كان على ألسنتهم في الآخرة كما كان في الدنيا ، {ويحسبون أنهم على شيء} : أي شيء نافع لهم.
{استحوذ عليهم الشيطان} : أي أحاط بهم من كل جهة ، وغلب على نفوسهم واستولى عليها ، وتقدمت هذه المادة في قوله تعالى: {ألم نستحوذ عليكم} في النساء ، وأنها من حاذ الحمار العانة إذا ساقها ، وجمعها غالباً لها ، ومنه كان أحوذياً نسيج وحده.
وقرأ عمر: استحاذ ، أخرجه على الأصل والقياس ، واستحوذ شاذ في القياس فصيح في الاستعمال.
{فأنساهم ذكر الله} : فهم لا يذكرونه ، لا بقلوبهم ولا بألسنتهم ؛ و {حزب الشيطان} : جنده ، قاله أبو عبيدة.
{أولئك في الأذلين} : هي أفعل التفضيل ، أي في جملة من هو أذل خلق الله تعالى ، لا ترى أحداً أذل منهم.
وعن مقاتل: لما فتح الله مكة للمؤمنين ، والطائف وخيبر وما حولهم ، قالوا: نرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم ، فقال عبد الله بن أبي: أتظنون الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها؟ والله إنهم لأكثر عدداً وأشد بطشاً من أن تظنوا فيهم ذلك ، فنزلت: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} : {كتب} : أي في اللوح المحفوظ ، أو قضى.
وقال قتادة: بمعنى قال ، {ورسلي} : أي من بعثت منهم بالحرب ومن بعثت منهم بالحجة.
{إن الله قوي} : ينصر حزبه ، {عزيز} : يمنعه من أن يذل.
{لا تجد قوماً} ، قال الزمخشري ، من باب التخييل: خيل أن من الممتنع المحال أن تجد قوماً مؤمنين يوادون المشركين ، والغرض منه أنه لا ينبغي أن يكون ذلك ، وحقه أن يمتنع ، ولا يوجد بحال مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته والتصلب في مجانبة أعداء الله.
وزاد ذلك تأكيداً بقوله: {ولو كانوا آباءهم} . انتهى.