مع قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" [5] ، هذه الآية افتتحت بنداء المؤمنين للتنبيه على أهمية ما يرد بعد ذلك النداء لتترقبه أسماعهم بشوق، ورد في الأثر: إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا فارعها سمعك فإنما هو أمر تؤمر به أو نهي تنهى عنه. ووصفهم بالذين آمنوا جاء مجرى اللقب لهم مع ما يؤذن به أصله من أهليتهم لتلقي هذا النهي بالامتثال ولهذا جاء بصيغة الفعل الماضي الدال على تأصل الفعل في النفس وتمكنه منها، مع التأكيد على أن النفس مجبولة على سماع من يمدحها بما فيها.
ولقد وردت أقوال عن السلف في تفسير هذه الآية: قال ابن عباس رضي الله عنهما كما روى عنه الطبري: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله بشيء حتى يقضيه الله على لسانه. وقال الضحاك: لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله من شرائع دينكم [6] . قال الطبري موضحاً هذه المعاني:"لا تعجلوا بقضاء أمر في حروبكم أو دينكم قبل أن يقضي الله لكم ورسوله فتقضوا بخلاف أمر الله وأمر رسوله" [7] . قال ابن العربي المالكي:"هذه الآية أصل في ترك التعرض لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وإيجاب اتباعه والاقتداء به ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت عائشة لحفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس من البكاء فمر علياً - وفي رواية لمسلم فمر عمر - فليصل بالناس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس. يعني بقوله: صواحب يوسف الفتنة بالرد عن الجائز إلى غير الجائز" [8] .
وصور التقدم بين يدي الله كثيرة، منها:
1)التقدم بالكلام كما نقلنا كلام ابن عباس، وقال قتادة: ذكر لنا أن ناساً كانوا يقولون: لو أنزل في كذا لو وضع كذا وكذا وهذا من القول وهو باللسان.
2)ومنها التقدم بالفعل: كما قال سفيان: لا تقضوا أمراً دون رسول الله بقول أو فعل.