وأيضاً إن الناس قد علموا عام الفيل أن مكة لا يتسلط عليها عدواً لله ، فلما فتحت للرسول صلى الله عليه وسلم عرف أنه حبيب الله المغفور له. أما الذنب فقيل: أراد به ذنب المؤمنين من أمته ، أو أريد به ترك الأفضل والصغائر سهواً أو عمداً. ومعنى {ما تأخر} أي عن الفتح أو ما تقدم عن النبوّة وتأخر عنها. وقيل {ما تقدم} ذنب أبويه آدم وحواء {وما تأخر} ذنب أمته. وقيل: أراد جميع الذنوب فحدّ أوّلها وآخرها ، أو هو على وجه المبالغة كما تقول: أعطى من رأى ومن لم يره. وقيل: ما تقدم من أمر مارية وما تأخر من أمر زينب وهو قول سخيف لعدم التئام الكلام ظاهراً. والأولى أن يقال: ما تقدم النبوّة بالعفو وما تأخر عنها بالعصمة {ويتم نعمته عليك} بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك لقوله {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} [المائدة: 3] ومن إتمام النعمة تكليف الحج وقد تم يومئذ ولم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم عدوّ من قريش ، فإن كثيراً منهم وقد أهلكوا يوم بدر ، والباقين آمنوا واستأمنوا يوم الفتح. وقيل: إمام النعمة في الدنيا باستجابة الدعاء في طلب الفتح وفي الآخرة بقبول الشفاعة {ويهديك صراطاً مستقيماً} أي يثبتك ويهديك عليه فإن الفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط الله ، ولعل المراد بهذا الخطاب هو أمته. والنصر العزيز ذو العزة وهو الذي لا ذل بعده ، أو هو بمعنى المعز أو الممتنع على الغير وهو النفيس الذي لا يناله كل أحد. وفي الآية تفخيم شأن الفتح والنصر من وجوه: أحدها لفظ (إنا) الدال على التعظيم. وثانيها لفظ (لك) الدال على الاختصاص. ثالثها إعادة اسم الله في الموضعين أوّلاً وآخراً. ثم بين سبب النصر بقوله {هو الذي أنزل السكينة} وهي السكون والوقار والطمأنينة والثقة بوعد الله كما مر في"البقرة"وفي"التوبة" {ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} أي يقيناً مع يقينهم أو إيماناً بالشرائع مع إيمانهم