وروى البخاري في"الأدب المفرد"، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في"الشعب"عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ} [سورة الإسراء: 27] ؛ قال: هم الذين ينفقون المال في غير حقه.
وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهبًا في طاعة الله لم يك إسرافاً، ولو أنفقت صاعًا - أي: من شعير ونحوه - في معصية الله كان إسرافًا.
وقيل لبعضهم: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير.
وروى البيهقي في"الشعب"عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير، وما تصدقت فلك، وما أنفقت رياء أو سمعة فذلك حظ الشيطان.
* تَنْبِيْهانِ:
الأَوَّلُ: ذكر النووي، وغيره أنه يقال: أنفق في الخير، وأما في الشر فيقال: غرم وخسر.
قلت: هذا في الغالب، ومن غير الغالب ما نقلناه عن ابن مسعود، وابن عباس، وعلي، ومجاهد - رضي الله عنهم -.
الثَّانِي: البخل والتقتير تفريط، والإسراف والتبذير إفراط، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.
وهما من أعمال الشيطان، والقصد بين الطرفين هو السنة في كل مقام، ولذلك قال مطرف: عمل المؤمن حسنة بين السيئتين.
وقال رحمه الله: خير الأمور أوساطها. رواه البيهقي في"الشعب".
وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، والبيهقي في"السنن"عن بريدة رضي الله تعالى عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّيْنَ غَلَبَهُ".
وقال الله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [سورة الإسراء: 29] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [سورة الفرقان: 67] .
قال عمر مولى عفرة رحمه الله تعالى: القوام أن لا تنفقوا في غير حق، ولا تمسك من حقٍّ هو عليك.
وقال يزيد بن مرة الجعفي رحمه الله تعالى: العلم خير من العمل، والحسنة بين السيئتين؛ يعني: {إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} ، وخير الأمور أوساطها. رواهما ابن جرير، وسبق الأخير عن مطرف رحمه الله تعالى.