إن برصيصا فعل بأختكم كذا وكذا، وقتلها، ودفنها في جبل كذا، فقالوا: هذا حلم، فتتابع عليهم ثلاث ليال، فانطلقوا إليه، وقالوا: يا برصيصا! ما فعلت أختنا؟ فقال: أليس قد أعلمتكم بحالها فكأنكم اتهمتموني؟ فقالوا: لا - والله - لا نتهمك، واستحيوا منه وانصرفوا، فجاءهم الشيطان وقال: ويحكم! إنها المدفونة في موضع كذا، وإن طرف إزارها خارج من التراب، فانطلقوا فرأوا أختهم على ما رأوه في المنام، فمشوا وغلمانهم معهم المساحي والفؤوس فهدموا صومعة برصيصا، وأنزلوه منها، ثم ذهبوا به إلى الملك، فأقر على نفسه، فأمر الملك بقتله وصلبه على خشبة، فلما صلب أتاه الأبيض فقال: يا برصيصا! أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا صاحبك الذي علمتك الكلمات فاستجيبَ لك، أما اتقيت الله في أمانة خنت أهلها؟ وإنك زعمت أنك أعبد بني إسرائيل، أما استحييت؟ فما زال يعيره ويعنفه حتى قال في آخر ذلك: ألم يكفك ما صنعت حتى أقررت على نفسك، وفضحت نفسك وأشباهك من الناس؛ فإن مت على هذه الحالة لم يفلح أحد من نظرائك، قال: فكيف أصنع؟ فقال: تطيعني في خصلة واحدة حتى أخلصك مما أنت فيه فآخذ بأعينهم، وأخرجك من مكانك، قال: وما هي؟ قال: تسجد لي، قال: أفعل، فلما سجد له قال: يا برصيصا! هذا الذي أردت منك؛ صار عاقبة أمرك أن كفرت بربك، إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين.
قلت: وقد اشتملت هذه القصة على أمور كثيرة من مخازي الشيطان، فينبغي للعبد أن لا يتشبه به في شيء منها.
فمن جملتها: التزيي بزي الصالحين ظاهراً مع امتلاء القلب بالكفر، والغش، والمكر، والاستهزاء بالطاعة، والسخرية بالمصلين والمتعبدين، وإكذاب الناس بغير حق، وانتهاك الحرم، والجناية على عرض ذوي الأعراض، والتشبع بما ليس في الملك، وبث الغش في صورة النصيحة، وكشف عورات الناس، والنميمة بهم وعليهم وإليهم، والسعاية إلى الحكام، وغير ذلك، نسأل الله العافية.
4 -ومن أخلاق الشيطان الرجيم: نية السوء، وإضماره للعباد.