قال: فناداني الثاني منهم، فقال: لا تذهب من البدن الفترة إلا بدوام الفكرة، قال: فقلت: ما أنفعَ كلامَ هؤلاء، فناداني الثالث، فقال: من أَنِسَ به في الظلام نشر له غداً الأعلام، قال: فصعقت، فلما أفقت فإذا أنا بنرجسة، فشممتها، فذهب ما كان بي من الوحشة، واعتراني الأُنس، فقلت: وصية - رحمكم الله تعالى -، فقالوا: إِيْ؛ أبى الله أن يحيي بذكره، ويأنس به إلا قلوب المتقين، فمن طمع في غير ذلك فقد طمع في غير مطمع، ومن اتبع طبيباً مريضاً دامت علته، ومن اتبع الدليل الحائر رجع وهو كليل.
قال: وودعوني، ومضوا، وقد أتى عليَّ حينٌ وأنا أرى برد كلامهم في خاطري.
وفي رواية: فلا أزال أرى بركات كلامهم في خاطري.
وذكر ابن خميس عن أبي سعيد الخزاز رحمه الله تعالى قال: بقيت إحدى عشرة سنة أتردد من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة أريد أن أحج حجة لا أرى فيها مكة، وأرى رب مكة، فما صح لي منه نفس، فلمَّا كان بعد إحدى عشرة سنة أنا راجع من المدينة إلى
مكة تراءى لي بعض الجن، فقال: يا أبا سعيد! قد - والله - رحمتك من كثرة ترددك في هذا، وقد حضرني شيء فيك، فاسمعه، فقلت: هات، فانشأ يقول: من الطويل
أَتِيْهُ فَلا أَدْرِيْ مِنَ التِّيْهِ مَنْ أَنا ... سِوَىْ ما يَقُوْلُ النَّاسُ فِيَّ وَفِيْ جِنْسِيْ
أَتِيْهُ عَلَىْ جِنِّ الْبِلادِ وَإِنْسِها ... فَإِنْ لَمْ أَجِدْ خَلْقاً أَتِيْهُ عَلَىْ نَفْسِيْ
قال أبو سعيد: فقلت له: اسمع يا من لا يحسن أن يقول إن كنت تحسن أن تسمع، وقلت: من الطويل
أَيا مَنْ يَرَىْ الأَسْبابَ أَعْلا وُجُوْدِهِ ... وَيَفْرَحُ بِالتِّيْهِ الدَّنِيِّ وَبِالإِنْسِ
فَلَوْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الْعُلُوِّ لَغِبْتَ عَنْ ... مُباشَرَةِ الأَفْلاكِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِي
وَكُنْتَ بِلا حالٍ مَعَ اللهِ واقِفاً ... تُصانُ عَنِ التِّذْكارِ لِلْجِنِّ وَالإِنْسِ
في أبيات أخرى.
وذكر الأستاذ أبو القاسم القشيري هذه القصة على خلاف هذا الوجه.