وقرأ الجمهور: {وَمَنْ يَعْشُ} بضم الشين من عشا يعشو كدعا يدعو؛ أي: يتعام بلا آفة في بصره، كعرج بفتح الراء، ويتجاهل عن ذكره وهو يعرف الحق، وقيل: يقل نظره في شرع الله، ويغمض جفونه عن النظر في ذكر الله، والذكر هنا يجوز أن يراد به القرآن، ويحتمل أن يكون مصدرًا أضيف إلى المفعول؛ أي: يعش عن أن يذكر الرحمن. وقرأ ابن عباس وعكرمة ويحيى بن سلام البصري: {ومن يعش} بفتح الشين، يقال: عشي الرجل يعشى عشيًا، من باب رضي إذا عمي وكان في بصره آفة، كعرج بكسر الراء، وقرأ زيد بن علي {يعشو} بالواو. قال الزمخشري: على أن {من} : موصولة غير متضمنة معنى الشرط، وحق هذا القارئ أن يرفع {نُقَيِّضْ} انتهى، ولا يتعين ما قاله، بل يصح أن تكون {مَنْ} شرطية، {يعشو} مجزوم بحذف الحركة تقديرًا، وقرأ الجمهور:
{نُقَيِّضْ لَهُ} بالنون. وقرأ السلمي وعلي بن زيد وابن أبي إسحاق ويعقوب وعصمة عن عاصم وعن الأعمش وأبو عمرو بخلاف عنه، والعليمي عن أبي بكر {يقيض} بالياء مبنيًا للفاعل؛ أي: يقيض الرحمن. وقرأ ابن عباس {يقيض له} بالبناء للمفعول {شيطان} الرفع؛ أي: ييسر له شيطان ويعد له، وهذا عقاب على الكفر بالختم
37 - {وَإِنَّهُمْ} ؛ أي: وإن الشياطين الذين قيض كل واحد منهم، لكل واحد ممن يعشو {لَيَصُدُّونَهُمْ} ؛ أي: ليمنعون قرناءهم، فمدار جمع الضميرين اعتبار معنى من، كما أن مدار إفراد الضمائر السابقة اعتبار لفظها {عَنِ السَّبِيلِ} ؛ أي: عن الطريق المستبين الذي من حقه أن يسبل، وهو الذي يدعو إليه القرآن {وَيَحْسَبُونَ} ؛ أي: والحال أن العاشين يظنون {أَنَّهُمْ} ؛ أي: أن الشياطين {مُهْتَدُونَ} ؛ أي: إلى السبيل المستقيم؛ أي: يحسب الكفار أن الشياطين مهتدون فيطيعونهم، وإلا لما اتبعوهم، أو يحسب الكفار بسبب تلك الوسوسة، أنهم في أنفسهم مهتدون؛ لأن اعتقاد كون الشياطين مهتدين، مستلزم لاعتقاد كونهم كذلك، لاتحاد مسلكهما.
والمعنى: أي وإن هؤلاء الشياطين، الذين يقيضهم الله سبحانه وتعالى لكل من يعشو عن ذكر الرحمن، ليحولن بينهم وبين سبيل الحق، ويوسوسن لهم، أنهم على الجادة، وسواهم على الباطل، فيطيعونهم ويكرهون إليهم الإيمان بالله، والعمل بطاعته.