وفيه: إشارة إلى أن الله يعطي الفقير من فقراء البلد، لا يؤبه به ما لا يعطي لعلمائه، وأفاضله من حقائق القرآن، وأسراره، فإن قسمة العلم والمعرفة بيده سبحانه، كقسمة النبوة والرسالة، فما لا يحصل بالدرس قد يحصل بالوهب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. قوله: {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ} ترسم هذه التاء مجرورةً في الموضعين من هذه السورة، اتباعًا لرسم مصحف الإمام عثمان - رضي الله عنه - ، وكذا ترسم مجرورةً في سورة الأعراف في قوله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} ، وفي سورة الروم في قوله: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ} وفي سورة هود في قوله: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} ، وفي سورة مريم في قوله: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ} ، وفي البقرة في قوله: {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} ، وفيما عدا هذه السبعة المواضع، ترسم مربوطةً على صورة الهاء، وأبو عمرو وابن كثير والكسائي يقفون عليها بالهاء كسائر الهاءات الداخلة على الأسماء، كفاطمة وقائمة، وهي لغة قريش، والباقون يقفون عليها بالتاء تغليبًا لجانب الرسم، وهي لغة طيء.
33 -ثم بين الله سبحانه وتعالى، حقارة الدنيا وخستها بقوله: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} وهنا لا بد من تقدير مضاف، فإن لولا لانتفاء الثاني، لوجود الأول، ولا تحقق لمدلول لولا ظاهرًا؛ أي: ولولا كراهة أن يرغب الناس في الكفر، إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم لحبهم الدنيا، وتوهم أن ذلك لفضيلة في الكفار، ويجتمعوا على الكفر، ويكونوا في الكفر أمةً واحدة {لَجَعَلْنَا} لحقارة الدنيا، وهوانها عندنا {لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ} لشر الخلائق وأدناهم منزلة، كما قال تعالى: {أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} . {لِبُيُوتِهِمْ} بدل اشتمال من {لِمَن} أو اللام بمعنى على، وجمع الضمير باعتبار معنى من، كما أن إفراد المستكن في {يَكْفُرُ} باعتبار لفظها، والبيوت جمع بيت، وهو اسم لمبني مسقف، مدخله من جانب واحد، كما سيأتي في مبحث اللغة {سُقُفًا} متخذة {مِنْ فِضَّةٍ} جمع سقف، وهو سماء البيت.