أأقول: هناك؟! كلا. إنه ليس هناك"هناك"! الصادر من غير مكان ولا زمان ، ولا حيز ولا حد ولا جهة ولا ظرف. الصادر من المطلق النهائي ، الأزلي الأبدي ، الصادر من الله ذي الجلال إلى إنسان.. إنسان مهما يكن نبياً رسولاً ، فإنه هو هذا الإنسان ذو الحدود والقيود.. هذا الوحي. هذا الاتصال العجيب. المعجز. الذي لا يملك إلا الله أن يجعله واقعة تتحقق ، ولا يعرف إلا الله كيف يقع ويتحقق.. أخي الذي تقرأ هذه الكلمات. هل تحس ما أحس من وراء هذه العبارات المتقطعة التي أحاول أن أنقل بها ما يخالج كياني كله؟ إنني لا أعرف ماذا أقول عما يخالج كياني كله من الروعة والرجفة وأنا أحاول أن أتصور ذلك الحدث العظيم العجيب الخارق في طبيعته ، والخارق في صورته ، الذي حدث مرات ومرات. وأحس بحدوثه ناس رأوا مظاهره رأي العين ، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه عائشة رضي الله عنها تشهد من هذه اللحظات العجيبة في تاريخ البشرية فتروي عن واحدة منها تقول:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا عائشة. هذا جبريل يقرئك السلام"قلت: وعليه السلام ورحمة الله. قالت: وهو يرى ما لا نرى"وهذا زيد بن ثابت رضي الله عنه يشهد مثل هذه اللحظة وفخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذه ، وقد جاءه الوحي فثقلت حتى كادت ترض فخذه. وهؤلاء هم الصحابة رضوان الله عليهم في مرات كثيرة يشهدون هذا الحادث ويعرفونه في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم فيدعونه للوحي حتى يسرى عنه ، فيعود إليهم ويعودون إليه..
ثم.. أية طبيعة. طبيعة هذه النفس التي تتلقى ذلك الاتصال العلوي الكريم؟ أي جوهر من جواهر الأرواح ذلك الذي يتصل بهذا الوحي ، ويختلط بذلك العنصر ، ويتسق مع طبيعته وفحواه؟
إنها هي الأخرى مسألة! إنها حقيقة. ولكنها تتراءى هنالك بعيداً على أفق عال ومرتقى صاعد ، لا تكاد المدارك تتملاه.